قائمة الموقع

"أشباح غزة تطاردهم": شهادات جنود "إسرائيليين" تكشف انهيارًا أخلاقيًا خلف خطوط القتال

2026-04-19T15:39:00+03:00
متابعة-الرسالة نت

في واحدة من أكثر الشهادات صدمة وجرأة، يفتح تقرير مطوّل نشرته صحيفة هآرتس نافذة على ما يجري داخل نفوس جنود إسرائيليين عادوا من قطاع غزة، لا كمنتصرين، بل كأشخاص مثقلين بذاكرة دامية وأسئلة لا تجد إجابات. التقرير، الذي أعده الكاتب توم ليفنسون، لا يتحدث عن المعارك بقدر ما يغوص في آثارها النفسية والأخلاقية، كاشفًا ما يُعرف بـ"الصدمة الأخلاقية"؛ وهي حالة تنشأ عندما يصطدم الإنسان بما فعله أو شهده مع منظومته القيمية الأساسية.

تبدأ القصة مع يوفال، مبرمج حاسوب يبلغ من العمر 34 عامًا، يعيش اليوم في تل أبيب، لكنه لم يعد يشعر بالأمان فيها. يصف حالة دائمة من التوتر والريبة، وكأن خطرًا غير مرئي يطارده. يستعيد بمرارة لحظة اقتحام وحدته موقعًا في خان يونس، حيث واجهوا رجلًا مسنًا وثلاثة صبية عزل، انتهت حياتهم برصاص الجنود دون تهديد حقيقي. لكن ما حفر الجرح أعمق في داخله لم يكن القتل فقط، بل مشهد قائد الكتيبة وهو يبصق على الجثث ويوجه لها الشتائم، بينما وقف هو عاجزًا عن الاعتراض. 

يقول يوفال إنه لم يعد قادرًا على النظر إلى نفسه دون شعور بالخزي، مضيفًا أن كل محاولات التبرير أو الصلاة لا تمحو تلك اللحظة.

من جانبها، تعيش مايا، طالبة الفلسفة التي خدمت كضابطة موارد بشرية في سلاح المدرعات، انقسامًا داخليًا حادًا. تتحدث عن حياتين متناقضتين: واحدة في غزة، وأخرى في الداخل الإسرائيلي. تستعيد حادثة إطلاق نار مكثف على خمسة فلسطينيين عزل في جنوب القطاع، أعقبها دفنهم بجرافة عسكرية بذريعة "منع انتشار الأمراض". غير أن المشهد الذي يطاردها أكثر هو رؤية جنود وهم يتبولون على أسير فلسطيني مكبل ومعصوب العينين، وسط ضحكات من حولهم. تقول مايا إنها تشعر "بالقذارة" في كل مرة تتذكر ذلك، وتحاول الهروب من هذا الشعور عبر الاستحمام المتكرر، دون جدوى.

أما يهودا، فيحمل معه ذكرى إعدام رجل فلسطيني رفع يديه مستسلمًا، على يد ضابط في وحدته. الجريمة، كما يقول، جرى التستر عليها بوصف الضحية "مخربًا". لحظة الانكسار جاءت لاحقًا في متحف البرادو، حين وقف أمام لوحة للفنان فرانسيسكو غويا تصور إعدام رجل أعزل. هناك، انهار يهودا بالبكاء، بعدما تماهت اللوحة مع ذاكرته، وكأنها تعيد عرض ما شاهده في غزة.

وفي شهادة أخرى، يروي إيتان تفاصيل صادمة عن ممارسات داخل وحدة 504، حيث تحدث عن أساليب تعذيب وصفها بـ"الوحشية"، شملت إيذاء الأسرى بطرق مهينة ومؤلمة، من بينها استخدام أربطة بلاستيكية لإلحاق الأذى بأجسادهم. يقول إيتان إن صرخات الضحايا كانت كفيلة بتدمير أي تصور سابق لديه عن "أخلاقية الجيش".

ولا يختلف الحال كثيرًا لدى القناصة، حيث تحدث أحدهم عن كوابيس متكررة تطارده بسبب قرب المسافة التي يرى بها ضحاياه عبر المنظار. يؤكد أن وجوههم تبقى حاضرة في ذهنه، وأن محاولات الأطباء النفسيين لمساعدته على النسيان تفشل أمام وضوح تلك الصور.

في سلاح الجو، يبرز اسم ران، الضابط الذي كان يخطط لغارات يدرك مسبقًا أنها ستؤدي إلى مقتل مدنيين، بينهم أطفال. يقول إنه في البداية كان مدفوعًا برغبة في الانتقام، لكنه سرعان ما اصطدم بحقيقة ما يفعله. لم يعد قادرًا على التوفيق بين حياته في تل أبيب، حيث الهدوء، وبين قراراته التي تؤدي إلى الموت في غزة. اليوم، يقضي وقته في البحث عن صور ضحاياه، في محاولة لفهم ما اقترفه.

يرى ليفنسون أن هذه الشهادات تكشف عن أزمة هوية عميقة داخل الجيش الإسرائيلي، يحاول التعامل معها عبر تغيير المصطلحات وتخفيف وطأة الأفعال. غير أن الخبراء يؤكدون أن "الضرر الأخلاقي" لا يمكن معالجته بسهولة، لأنه يتطلب مواجهة الذات، وهو أمر يهرب منه كثيرون.

ويشير التقرير إلى أن الصمت الذي يحيط بهذه الحالات ليس صدفة، بل نتيجة ضغط اجتماعي داخل إسرائيل، حيث يُنظر إلى الاعتراف بالخطأ أو الضعف كنوع من الخيانة. هذا يدفع العديد من الجنود إلى كتمان معاناتهم، حتى وهم ينهارون داخليًا.

وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور غيل زالسمان، رئيس المجلس الوطني لمنع الانتحار، أن العيادات النفسية تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الجنود الذين يطلبون المساعدة. ويضيف أن كثيرين منهم فقدوا الثقة في أنفسهم كأشخاص أخلاقيين، ما يجعل عودتهم إلى الحياة الطبيعية أمرًا بالغ الصعوبة.

لا يقدم التقرير مجرد روايات فردية، بل يرسم صورة أوسع لواقع نفسي وأخلاقي معقد، حيث لا تنتهي الحرب بانسحاب الجنود من الميدان، بل تبدأ داخلهم، فهي معركة من نوع آخر، يخوضها هؤلاء يوميًا ضد ذاكرتهم، في مواجهة مرآة تعكس لهم وجوهًا لم يعودوا يتعرفون عليها.

اخبار ذات صلة