قائمة الموقع

تصاعد سرقة المواشي في الضفة: الاستيطان الرعوي يسرّع تهجير الفلسطينيين

2026-04-20T12:53:00+03:00
الرسالة نت- متابعة خاصة

لم تعد سرقة المواشي في الضفة الغربية مجرد حوادث متفرقة، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تُستخدم كأداة ضغط اقتصادية وأمنية لدفع المزارعين الفلسطينيين نحو الرحيل.

وفي ظل حماية مباشرة من جيش الاحتلال، تتكامل أدوار المستوطنين والمؤسسات الرسمية لفرض واقع جديد على الأرض، عنوانه السيطرة التدريجية على المساحات الزراعية وتفريغها من أصحابها.

تشير معطيات حقوقية إلى أن عام 2025 شهد سرقة أكثر من 12 ألف رأس من الماشية، فيما سُجلت سرقة نحو 1500 رأس منذ بداية عام 2026، في أرقام تعكس حجم الاستهداف المنظم لقطاع الإنتاج الحيواني، الذي يشكل مصدر رزق رئيسيًا لآلاف العائلات الفلسطينية. هذه الخسائر لا تُقاس فقط بالأموال، بل بتقويض أسس البقاء في الريف الفلسطيني.

في بلدة عين يبرود شمال شرق رام الله، يروي المواطن محمد حجير تفاصيل اعتداء متكرر، فقد خلاله ثلاثة خيول خلال عام واحد،محاولاته لاستعادتها لم تكلل بالنجاح، بل تعرض لاعتداء جسدي من قبل مستوطنين هاجموا منزله، بينما أغلقت قوات الاحتلال مداخل القرية، مانعة وصول أي مساعدة. 

ويؤكد أن الخسائر تجاوزت 50 ألف شيكل، في وقت باتت فيه سرقة الأغنام حدثًا شبه يومي في المنطقة.

واقعة أخرى لا تقل قسوة يرويها المزارع سليم تركي حمايل، الذي استيقظ على اقتحام مزرعته وسرقة قطيع كامل مكون من 74 رأسًا من الضأن. 

ويقدر خسارته بما بين 50 إلى 60 ألف دولار، مشيرًا إلى أن المستوطنين استخدموا أدوات لقص السياج وتعطيل كاميرات المراقبة، في عملية تحمل طابعًا احترافيًا ومنظمًا. زوجته تؤكد أن القطيع كان مصدر الدخل الوحيد، وأن الأسرة أصبحت مهددة بالفقر بعد فقدانه.

الإستيطان الرعوي

هذه الشهادات تعكس نمطًا متكررًا، حيث لا تقتصر الاعتداءات على السرقة، بل تشمل الترهيب وإطلاق النار وتخريب الممتلكات، بهدف خلق بيئة طاردة للمزارعين.

ويؤكد ناشطون أن هذه الممارسات تأتي في إطار ما يُعرف بـ"الاستيطان الرعوي"، وهو نمط جديد يعتمد على السيطرة على الأراضي عبر الرعي بدل البناء المباشر.

تبدأ هذه العملية عادة بإحضار مستوطن لقطيع من الماشية إلى منطقة قريبة من مصادر المياه، ليقيم فيها حظيرة ومسكناً بسيطاً. ومع الوقت، يفرض سيطرته على المراعي المحيطة، ويمنع الفلسطينيين من الوصول إليها بالقوة، قبل أن تتحول البؤرة إلى مستوطنة قائمة. وخلال هذه المراحل، توفر سلطات الاحتلال الحماية والدعم اللوجستي والمالي، في تكامل واضح للأدوار.

وتلعب جهات استيطانية متطرفة مثل حركة “أمانا” دورًا محوريًا في إنشاء هذه البؤر، إلى جانب مجموعات تُعرف بـ"فتيان التلال"، الذين ينفذون عمليات التوسع الميداني. وتشير التقديرات إلى إنشاء نحو 150 مزرعة رعوية خلال السنوات الأخيرة، كثير منها أُقيم بعد أكتوبر 2023، في ظل تسارع غير مسبوق في وتيرة الاستيطان.

أرقام وإحصائيات موثقة

وتُظهر الأرقام أن المستوطنين سيطروا حتى أبريل 2025 على نحو 786 ألف دونم، أي ما يعادل 14% من مساحة الضفة الغربية، عبر هذا النمط من الاستيطان. ولم يقتصر التأثير على الأرض فقط، بل أدى إلى تهجير أكثر من 60 تجمعًا رعويًا فلسطينيًا، بعد تعرضهم لسلسلة من الاعتداءات والضغوط المستمرة.

في منطقة المغيّر، شمال شرق رام الله، تتجلى هذه السياسة بوضوح، حيث تمت السيطرة على أكثر من 45 ألف دونم، وسط استمرار الاعتداءات على المزارعين.

ويؤكد مسؤولون محليون أن الجيش يتدخل مباشرة لتأمين عمليات المستوطنين، عبر إطلاق الغاز والرصاص لتفريق الأهالي ومنعهم من حماية أراضيهم.

سياسيًا، يتزامن هذا التصعيد مع توسع غير مسبوق في المصادقة على مشاريع استيطانية، حيث تمت الموافقة على عشرات المستوطنات الجديدة، في إطار خطة تهدف إلى ربط الكتل الاستيطانية وعزل القرى الفلسطينية ضمن “كنتونات” منفصلة. ويُحذر مختصون من أن هذه السياسات تقوض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.

ورغم هذا الواقع، يواصل المزارعون الفلسطينيون التمسك بأراضيهم، مؤكدين أن البقاء فيها هو شكل من أشكال المقاومة. لكنهم في الوقت ذاته يواجهون معركة غير متكافئة، في ظل غياب الحماية وتزايد الضغوط الاقتصادية والأمنية.

ما يحدث في الضفة الغربية اليوم يتجاوز كونه اعتداءات فردية، ليشكل نموذجًا متكاملًا لسياسة تهجير قسري ناعم، تُستخدم فيه الماشية كأداة للسيطرة، والخوف كوسيلة لإفراغ الأرض.

اخبار ذات صلة