الطفلة منة عاشور: "الحياة بدون رجلي صعبة جدًا"

الرسالة نت- خاص

بصوتٍ خافت يشبه ارتجاف الألوان بين أصابعها الصغيرة، تجلس الطفلة منة عاشور (12 عامًا) داخل خيمة مهترئة، تحاول أن ترسم حياةً أخرى، لا تشبه تلك التي تعيشها اليوم. أمامها كراسات وألوان، لكنها ليست الألوان التي حلمت بها يومًا، بل ألوانٌ باهتة تشبه واقعها الذي تغيّر في لحظة واحدة.

تستعيد منة تفاصيل ذلك اليوم من صيف عام 2024، حين طلبت منها والدتها أن تُحضر كوب ماء لشقيقها. لم تكن تدرك أن تلك الخطوات القليلة ستكون الأخيرة بقدمين سليمتين. تقول: "كنت رايحة أجيب مي... فجأة صار القصف". في لحظةٍ خاطفة، سقط المنزل فوق رؤوس ساكنيه، وسقطت منة على وجهها.

تتابع بصوتٍ يختلط فيه الذهول بالألم: "بُترت قدمي فورًا... شفتها قدامي على الأرض، والدم كان بكل مكان". 

منذ تلك اللحظة، لم تعد الحياة كما كانت، ولم تعد منة الطفلة التي تركض خلف أحلامها الصغيرة.

داخل الخيمة، تتغير تفاصيل الحياة اليومية لتصبح عبئًا ثقيلاً على جسدٍ صغير. "الحياة بدون رجلي صعبة جدًا"، تقولها منة ببساطة موجعة، ثم تضيف: "ما بقدر أعمل أشي لحالي... حتى شربة المي بطلبها من إخوتي". المدرسة التي كانت تنتظرها كل صباح، أصبحت ذكرى بعيدة، والطريق إليها صار مستحيلاً.

لا تقتصر معاناة منة على فقدان قدمها فقط، بل تمتد إلى قسوة الحياة في الخيام، حيث الحرّ والغبار ونقص أبسط مقومات العيش. "الحياة في الخيمة صعبة كثير"، تقول، قبل أن تصمت للحظة وكأنها تبحث عن كلمات أخفّ من واقعها.

وسط هذا الألم، تتمسك منة بأملٍ واحد: "نفسي أسافر وأركّب طرف صناعي دائم، وأبدأ حياة جديدة". حلم بسيط لطفلة في الثانية عشرة، لكنه يبدو بعيدًا في ظل الظروف التي يعيشها آلاف الأطفال في غزة.

منة نموذج لواقعٍ قاسٍ يعيشه أطفال القطاع، حيث تحوّلت الطفولة إلى مساحة للألم، والأحلام إلى أمنيات مؤجلة تُكسر فجأة، وتُترك لتُروى على لسان أطفالٍ فقدوا أكثر مما ينبغي في عمرٍ صغير.

والأرقام هنا تتحدث عن الفاجعة؛ فوفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، سُجّل في قطاع غزة منذ عام 2023 وحتى منتصف 2025 أكثر من 4,500 حالة بتر أطراف نتيجة القصف، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال. 

وتشير بيانات اليونيسف إلى أن غزة باتت تضم واحدة من أعلى نسب الأطفال مبتوري الأطراف في العالم، مع تسجيل مئات الحالات الجديدة بين الأطفال سنويًا، في ظل انهيار النظام الصحي وصعوبة السفر للعلاج وتركيب الأطراف الصناعية.

في هذا الواقع، لا تبدو أمنية منة بالسفر وتركيب طرف صناعي مجرد حلم شخصي، بل حقًا مؤجلًا لآلاف الأطفال الذين كُتبت طفولتهم على وقع الألم. وبين خيمةٍ وأخرى، تتشابه الحكايات وتختلف الأسماء، لكن الوجع واحد، يكبر مع كل رقم جديد يُضاف إلى قائمة مبتوري الأطراف، وكأن غزة تُحصي خسائرها بالأجساد الصغيرة قبل أن تُحصيها بالكلمات.