الرسالة نت - خلود نصار
بمجرد دخولك لمتاجر الانتيكة في البلدة القديمة وسط مدينة غزة تشعر بعبق التاريخ الجميل، حيث تجد احد ملاكي تلك المحلات جالسا على كرسي ظهره خشبي وأرضيته مطرزة بخيوط ملونة واضعا إحدى قدميه على الأخرى , حاملا بيده عدسة مكبرة مطأطئ رأسه يتفحص قطعه النقدية يحملها بيده الأخرى.
الخمسيني سليم الريس يقول لـ" الرسالة نت" بعدما أنهى تفحص احدى القطعة النقدية وأعادها لمكانها، ان عمله بمجمع المقتنيات القديمة( الانتيكة) بدأ كهواية حين كان في العاشرة من عمره ، حيث استهواه جمع العملات وطوابع البريد الفلسطينية والمصرية, مشيرا إلى أن " هوايته تحولت لمهنة بعدما أنشأ هذا المحل منذ" 25 عاما".
ويقطع سكون المحل الهادئ _الذي هو أشبه بمتحف صغير_ صوت البائعين المتجولين والمشترين الوافدين لسوق الزاوية، حيث يقع المتجر المملوء بالقطع المعدنية والنحاسية والخشبية والفخارية في أحضان هذا السوق الأثري.
ومن احدى (البتارين) الزجاجية التي وقف خلفها الريس أخرج علبة عاجية مليئة بقطع نقدية برونزية متآكلة لم يتبق عليها سوى بعض أحرف من جملة (لا إله إلا الله)، وأشار إلى انها تعود للعصر العباسي والأموي.
وينوه "الخمسيني" إلى أنه رغب في المحافظة على جذور أجداده القديمة بالإضافة إلى توعية المواطنين بأهمية التراث القديم من خلال عمله في جمع " الانتيكة" التي أكد أنها استنزفت قدر كبير من أمواله.
ومن بين أكياس النايلون الشفافة، أخرج مجموعة من الطوابع البريدية الفلسطينية التي تعود بعضها لعام 1972و1928 رسم عليها معالم أثرية فلسطينية كمسجد قبة الصخرة وقلعة من قلاع القدس وآخر رسم عليه بحيرة طبرية، وأكد الريس أنها من أغلى أنواع الطوابع القديمة.
وتتدلى من سقف متجر" الانتيكة" نجفات مسمرة اللون عمرها يزيد عن (50 عاما), يسترخي ضوؤها الأصفر على بعض قطع توارت عن الأنظار كمطحنة البن النحاسية والتي تتكون من قطعتين ومقيض يدوي - اختفت بعد ظهور مطاحن البن الكهربائية-.
وامام أحد الرفوف وقف الستيني ابو جميل- مشتري- محني الظهر عاقدا يديه خلف ظهره, مدققا النظر بعلبة تحوي ساعات يدوية قديمة ذهبية وفضية اللون.
وذكر أبو جميل لـ" الرسالة نت" أنه يشعر براحة نفسية عند دخوله محلات الأنتيكة لأنه يهتم بالقطع القديمة التي تذكره بالماضي ويحفظ في زوايا بيته العديد منها. على حد تعبيره.
وتشكو محلات الأنتيكة في قطاع غزة من قلة الحركة الشرائية بسبب الحصار، ويقول سليم الريس" سكان القطاع في الوقت الحالي لا يستطيعون شراء القطع القديمة الغالية الثمن بفعل الحصار وقلة الموارد المالية، لافتا إلى أن رواد المحل من الاجانب وسكان الاراضي المحتلة عام 48 انعدموا أيضا لاستمرار الحصار على غزة للعام الخامس على التوالي.
وعلى أحد الرفوف التي يغطيها الغبار تجد هاتفا كبير الحجم يعود لعام 1932، وبجواره صندوق راديو خشبي كبير يقدر عمره (60 عاما)، وأواني نحاسية منقوشة, اضافة للأثواب الفلاحية يدوية الصنع التي تعود لعام 1930.
وكما احتوت الرفوف على صور قديمة باللون الأبيض والأسود لبعض معالم المدن فلسطينية كمدينة بئر السبع، حيث يؤكد الريس أن القطع كلما تغبرت ازدادت جمالا وقيمة.
وعبأت الكتب القديمة الزاوية اليمنى للمحل، في حين شغلت الأواني الفخارية حيزا كبيرا الزاوية اليسرى. ويبين الريس أن 80% _90% من الانتيكة بالأسواق المحلية والعالمية مقلدة، مشيرا إلى أن قليل من الناس من يستطيع التمييز بينهما.
وفي كل ركن وزاوية وقطعة تراها في محل الحاج سليم للمقتنيات القديمة، يدور شريط ذكرياتك إلى الوراء ، لتسترجع أعوام غطتها طبقات الغبار وتستذكر القدماء الذين اتقنت أيديهم قطع ما زالت حية .