قائمة الموقع

بأي قانون يحكم القضاء ؟

2011-06-17T06:07:00+03:00

النائب العام: 90% من الاحكام مرفوضة ولا تحقق الردع

القضاء: العقوبة هدفها الاصلاح ولسنا جلادين للمجتمع

د. جبر: بعض الاحكام غير مقنعة والمسئولية مشتركة

خبراء: السياسة وراء استنكاف القضاء السابق ومخالفات الحالي

النقابة: المحامون يشتكون محاباة القضاة للبعض والنيابة مسيسة

محام: تعامل القضاء والنيابة بعيد عن الاحترام والتفاهم

التشريعي: تداخل الصلاحيات لضبابية القانون ونحن الفيصل

غزة-شيماء مرزوق-الرسالة نت

يعيش القضاء والنيابة العامة في قطاع غزة حالة من النزاع وتداخل الصلاحيات, حيث احتدم النقاش مؤخراً حول الهدف من سياسة تخفيف الاحكام التي ينتهجها القضاء منذ فترة, ففي حين تعتبر النيابة ان 90% من الاحكام الصادرة عن القضاء مرفوضة ولا تحقق الردع للمجرمين, يبرر القضاء موقفه بان العقوبة هدفها الاصلاح وليس الانتقام, وبين هذا وذاك يرى خبراء القانون ان القضاء الحالي حديث العهد بالمهنة وخبرته متواضعة, كما توجد تجاوزات في القضاء والنيابة على حد سواء, وممارسات بعيدة عن الاستقلالية والنزاهة, ومحاباة لبعض المحامين, الى جانب الاستعلاء والتعسف في التعامل.

"الرسالة" فتحت هذا الملف ودخلت ساحات القانون لمناقشة القضية والوقوف على ابرز الاشكاليات التي يعاني منها القضاء والنيابة وحجم التعاون بينهما.

مرفوضة

وفي هذا السياق أكد المستشار محمد عابد النائب العام الفلسطيني بغزة أن النيابة العامة والقضاء تنتميان للسلطة القضائية, وهما ركنا العدالة, فالنيابة دورها جمع الاستدلالات والتحقيقات وتوجيه الاتهام ثم تحويل القضية للمحكمة التي تمارس سلطة الحكم وتعديل الاتهام, معتبراً أن العلاقة مع القضاء عموما جيدة, لكن يوجد تباين في السياسة العامة.

وقال " النيابة ساخطة من أغلب الاحكام التي تصدر عن القضاء ولذلك لجأنا بحسب القانون لإجراءات الاستئناف والطعون, وتضاعفت استئنافات النيابة بأكثر من خمسة اضعاف استئنافات المتهمين وهو ما يحتاج لإعادة النظر بأحكام القضاء".

وأوضح النائب العام أن الاستئناف هو حق أصيل للنيابة نص عليه القانون, وتابع "نحن صبرنا كثيرا على هذه الاحكام ونطالب بأن تكون موضوعية وتحقق الردع للمجرمين", لافتاً إلى أن حوالي 90% من الاحكام مقبولة لدى المتهمين ومرفوضة عند النيابة.  

بدوره اعتبر القاضي أشرف فارس رئيس محكمة بداية غزة ان النيابة هي الجهة المختصة بالشق الجنائي والقضايا المدنية التي تهم الرأي العام, منوهاً الى انها جزء من القضاء, والعلاقة بينهما تكاملية وهي منظومة تعمل لتوضيح الرؤية للقضاء الذي يصدر حكمه وفقا للقانون.

وأشار فارس إلى أن العلاقة بين القضاء والنيابة في قاعة المحكمة واضحة لان القضاء مهمته ان يفصل بين طرفين ولا يجوز الانحياز لطرف على حساب آخر.

في حين طالب عابد ان يكون الحكم في اطار النص القانوني والسلطة التقديرية للقاضي,  ومثال ذلك اذا كان النص القانوني يقنن العقوبة بألف دينار كحد أدنى وخمسة الاف دينار كحد أقصى وتأتي العقوبة بخمسين شيكل أو مئة شيكل فيجب على القضاء ان يراجع نفسه.

وتابع "اذا ما عرضنا الاحكام في قضايا المخدرات على النصوص القانونية سنجد بها مخالفة صارخة دفعتنا للاستئناف عدة مرات وكنا نتمنى ان نجد اجابات لدى محاكم الاستئناف والنقد", مبيناً ان نسبة الجرائم ارتفعت بشكل ملحوظ في العام 2010 الذي شهد تخفيف احكام, مقارنة بالعام 2009 الذي كانت الاحكام فيه اشد, بحسب احصائية اجرتها النيابة.

من ناحيته قال د. اسماعيل جبر نائب رئيس المحكمة العليا بغزة ان السلطة التقديرية تسمح للقاضي بان يقيم كل حالة على حدة وهناك محكمة استئناف ولديها صلاحية تعديل الاحكام بما يتناسب مع الجرم, لكن الاشكاليات التي تواجه القضاء حالياً هي في الملفات القديمة.

تداخل الصلاحيات

وحول تأثير الاحكام المخففة على سلامة المجتمع قال النائب العام "القضاء بحاجة الى ان يصبح اكثر قربا من الواقع الاجتماعي عند اصداره للأحكام, معتبراً ان تبرير التخفيف بمراعاة ظروف المواطنين والاوضاع المادية والمعيشية غير مقبول, لان القاضي لا يحكم بعواطفه وانما بالمعطيات الموجودة لديه, موضحاً ان النيابة لا تطالب الا بتطبيق القانون, والمشرع اعطى للقضاء سلطة تقديرية في اطار نص, عادّا افراج المحكمة بكفالة عن المتهمين مخالفة قانونية.

لكن فارس قال ان جهات التحقيق مثل المباحث والنيابة مهمتها جمع البيانات والاستدلالات وتقديمها للمحكمة, والاصل ان المتهم برئ حتى تثبت ادانته ولا يحق لأية جهة أي تحرمه هذا الحق.

وأضاف "القانون ينص على أن الكفالة حق لجميع المتهمين دون استثناء ومهما كانت الجريمة, واستمرار التوقيف يجب ان يكون بمبررات واضحة", مبينا أن القانون القديم كان يستثني من ذلك الجرائم التي تصل عقوبتها للإعدام فقط, بينما القانون الجديد ألغى هذا الاستثناء واعتبر ان الكفالة حق للجميع.

وتابع "لا يجوز لأحد الطعن او الاعتراض على قرارات الافراج بكفالة لأنها من صلاحيات المحكمة, لكن الغريب ان نجد بعض المتهمين الموقوفين على ذمة المحاكمة خارج السجن بقرار ممن لا يملك صلاحية الافراج عنه سواء كان شخصية تنفيذية نافذة أو غيره, ونتفاجأ بمجيء المتهم للمحاكمة من بيته وليس من السجن".

من ناحيته قال المستشار عابد "اتمنى على القضاء ان يتنبه لصحة وشكل العلاقة مع المحامين لان كثرة الافراجات بكفالة وبسرعة في قضايا صارخة تسيء للمواطنين وللحق العام وتضع علامات استفهام على القضاء".

ونوه إلى أن النيابة اصدرت اكثر من مائة قرار بتعليمات قضائية وضحت وسهلت على وحدات النيابة العمل واختصار الملفات والوقت والتفرغ للقضايا الكبيرة وهو ما حقق انجازا لافتا.

معايير شخصية

من جانبه رأى جبر انه لا يحق للنيابة الطعن في قرارات المحكمة وما يحق لها هو الاستئناف فقط, كما ان القانون وضع حدا ادنى واقصى للعقوبة، واذا ما تجاوزها القاضي يعتبر هذا سببا من اسباب الاستئناف, مؤكداً انه من صلاحيات القاضي وقف تنفيذ العقوبة وهو ما يعتبره البعض سلطة مطلقة منحت له.

وقال "لا يوجد عمل متكامل والاخطاء واردة في أي مكان لكننا نعاني من نقص في القضاة مقارنة بحجم القضايا الموجودة امامنا, وما حدث من عصيان شامل في المحاكم اضطر الحكومة لتشكيل طاقم كامل والبدء من الصفر في القضاء والنيابة", موضحاً ان المواطنين يثقون في القضاء حالياً وفي القدرة على تنفيذ الاحكام وهو ما كنا نفتقده سابقا.

بينما استهجن عابد بالقول "لا اجد سببا موضوعيا واحدا للتخفيف الشديد في الاحكام, في ظل وجود مرجعية ضابطة لعمل النيابة والقضاء, ولا يجوز اخضاع الاحكام لمعايير شخصية".

ورد فارس بالتأكيد على ان الخلل القائم حالياً يتمثل في عدم الوعي والفهم للصلاحيات, حيث تحدث بعض الاشكاليات أثناء مراجعة المحكمة, مشيراً الى ان هذه القضية خطيرة ولا يجوز ابداء ملاحظات على احكام القضاء لأنه يطبق القانون ويستخدم صلاحياته, ومن يتجاوز القانون هو من لا يعرف حدود صلاحياته.

وقال "العقوبة ليس المقصود منها الانتقام من المتهم وانما اصلاحه وتأهيله لإعادته كفرد صالح في مجتمعه, ومبررات تخفيف العقوبة لا حصر لها في القانون", معتبرا ان جميع الاحكام الصادرة عن القضاء قانونية, لأن قانون العقوبات الفلسطيني وضع حدا أقصى للعقوبة وسمح للقاضي بتخفيفها الى اقصى درجة حتى وقف التنفيذ, بينما القانون المصري وضع حدا أقصى وأدنى ولم يسمح للقاضي بتجاوزهما, وهذا ما يسبب اللبس عند البعض احياناً.

جنح المحامين

ويبدو ان انتقادات النيابة لم تقتصر على القضاء فقط بل طالت المحامين ايضاً حيث ذكر النائب العام ان النيابة على مدار العشرين شهرا الماضية حققت واستوقفت واستجوبت عشرات المحامين, وهناك من أوقفوا وحوكموا وبعضهم لا تزال التحقيقات جارية معهم, لافتا الى ان غالبية التهم الموجهة اليهم في قضايا نصب على الموكلين والمواطنين, والاحتيال والاستيلاء على اراض.

وبين عابد ان النيابة تشعر في هذه الحالة نقابة المحامين لحضور التحقيقات بحسب القانون, كما تتريث  قبل توقيف أي منهم وتحرص على ان تكون التحقيقات والاستجوابات بمعزل عن التوقيف ولكن عندما تكتمل مادة التحقيقات يوقف المحامي المتهم ويعرض على القضاء, منوهاً الى انه تم اللجوء للمحاكمات السريعة احتراما لظروف المحامين, متهماً القضاء بالتعامل مع المحامين المتهمين بعيدا عن الاصول القانونية.

من جانبه أكد رئيس محكمة بداية غزة ان القضاء درع امين على تطبيق القانون وليس جلادا والعقوبة تقرر بناء على عدة عوامل وتراعي امن وسلامة المجتمع, نافياً محاباة القضاء لبعض المحامين على حساب اخرين, حيث ان المحكمة تتعامل مع الجميع بشكل متساو وكل ما يربط القاضي بالمحامي هو قاعة المحكمة فقط ومن يقدم جميع الادلة والمستندات والحجج يكسب قضيته ومن يقصر في عمله من الطبيعي ان يخسرها, وبين فارس انه لا توجد أية علاقات شخصية بين القضاة والمحامين.

وهنا قال المستشار عابد "أيا كانت العقوبة المقدرة على أية جريمة يرتكبها المحامي لا يمكن قياسها بالعقوبة التي تقدر على مواطن والاصل ان تكون مشددة على المحامين لانهم ينفذون القانون ويؤتمنون على حقوق الناس, ولأن الاثار المترتبة على ممارساتهم مرفوضة من الجميع سواء النيابة او القضاء او حتى نقابة المحامين.

واستدرك انه حوكم اثنان فقط من بين عشرات المحامين المتهمين والموقوفين وأفرج عنهم جميعاً بكفالة على ذمة القضية, مشيراً الى انه لا يجوز قانوناً اخراج أي متهم بكفالة خاصة اصحاب القضايا الكبيرة, متابعاً " النيابة تتخذ جميع الاحتياطات اللازمة قبل توقيف أي محام, وتكون قضيته قد تجاوزت الحبس الاحتياطي ووجود الادلة واثرها على المصلحة العامة, كما ان الواقعة التي اوقف بسببها تكون ارتبطت بعدد من المواطنين وتحولت لقضية راي عام وتضر بمصالح المجتمع.

ورد فارس بان الجهة المراقبة لعمل القاضي بعد ضميره هو الجمهور ولذلك اقر القانون علنية الجلسات, والمحامي يتساوى مع المواطن امام القانون, مشيراً الى أن المجلس التشريعي عدل مؤخرا بعض نصوص القانون حتى تتناسب مع المستجدات التي طرأت على المجتمع, والجهة المراقبة للقضاء وأحكامه هو القضاء نفسه في المحكمة الاعلى درجة, مبيناً ان انتقاد القضاء يزعزع ثقة المجتمع به ويؤدى لانتشار الفلتان الامني والقانوني, وما يحق للنيابة هو الاستئناف على أي حكم قضائي فقط.

ونوه ان القانون المعمول به حاليا هو القانون المصري والعقوبات التي يقرها هي القصوى ولكن يوجد حد ادنى ترك فيه المجال مفتوحا للقاضي, ومبررات تخفيف العقوبة متعددة منها صغر سن المدان او كبر سنه ومرضه وظروف الواقعة وتاريخ المدان وغياب سوابق له.

وأكد أشرف فارس ان القضاء الحالي انجز ملفات ضخمة, حيث ان عدد القضايا الموجودة في محكمة بداية خانيونس بلغت ستين ملفا للقاضي الواحد, كما فصلت هيئة الجزاء الشهر الماضي أكثر من ستمائة وخمسين ملفا, ما بين جنايات واستئنافات وطلبات, وهو ما كان مفتقدا سابقاً.

بدوره لفت جبر إلى أن من أسس نظرية الجزاء السرعة في المحاكمات والتنفيذ وهو ما يعمل القضاء على تطبيقه حالياً, خاصة في القضايا التي تخص الرأي العام, معتبراً أن هدف العقوبة هو اصلاح المجرم والمجتمع وليس الانتقام منه, وتخفيف العقوبة يبنى على اسباب موضوعية.

ولفت الى ان احدى القضايا التي استأنفت النيابة الحكم عليها هي جريمة اغتصب فيها المجرم ابنته وانجبت منه طفلاً وحكمت المحكمة عليه بالسجن مدة خمس سنوات مع النفاذ, في حين ينص القانون على ان عقوبة الاغتصاب تصل لحد اربعة عشر عاماً وفي حالة ان المغتصبة ابنته فهذا يعتبر ظرفا مشددا للعقوبة, وهنا اعتبر جبر ان الحكم بخمس سنوات في قضية من هذا النوع مجحف للضحية, ويجب ان يكون مشددا اكثر.

وقال "أنا القي باللوم على الجميع في القضاء والنيابة لان دور المجلس الاعلى للقضاء مناقشة السياسة العقابية, ويجب الاسراع في قضايا الجنايات ذات الطابع الخاص", نافياً وجود أية محاباة بين القضاة والمحامين حيث أن الجميع امام القانون سواسية. 

بعيدة عن النزاهة

من ناحية أخرى اتهم النائب العام نقابة المحامين بأنها تمتنع عن وقف المحامين المتهمين من مزاولة المهنة بحجة انهم لم يدانوا او لم تصدر احكام قضائية ضدهم, مؤكداً ان النيابة تعاني من ملاحقتها لعدد من المحامين وبعد اكتمال الادلة ضدهم والتحقيقات يطلق سراحهم.

بدورها ردت نقابة المحامين التي كان لها عدة مآخذ وملاحظات على النيابة والقضاء حيث أكد زياد النجار امين سر النقابة انه يجب تبليغ النقابة قبل توقيف أي محام, وهو ما يحدث احيانا وليس دائماً, حينما ترسل النقابة مندوبا عنها لحضور التحقيقات ومعرفة سبب الاستدعاء واذا ما أثبتت التهمة يحق للمحامي المتهم الخروج بكفالة حتى انتهاء المحاكمة.

وقال النجار "لا نستطيع اتخاذ اجراء ضد أي محام استناداً على شبهات او شكوى كيدية, وانما يجب ان يدان امام محكمة مختصة في قضية أو جناية, وبعدها تنظر النقابة بكيفية معاقبته بما يتناسب مع جرمه".

وأضاف "مؤخراً اتخذت النقابة قرارا بمنع محام من مزاولة المهنة لمدة سنتين بسبب شكاوى المواطنين والاشكاليات الكثيرة حوله, الا ان المحكمة العليا اوقفت قرار النقابة وأعادته للعمل", عادّا قرار المحكمة بأنه جاء من باب المناكفة السياسية.

واوضح ان المحامي امام القانون يصبح مواطنا عاديا فعلمه بالقانون لا يشدد أو يخفف العقوبة عنه, لان الجهل او العلم بالقانون ليس عذرا لاحد والاصل ان يكون الجميع على علم بالقانون, لافتا الى انه تصلهم شكاوى كثيرة من المواطنين على محاميهم بسبب خلاف على الاتعاب او غياب عن جلسة المحاكمة او ان المحامي يحصل على اتعابه من خلال التوكيل.

وتابع النجار " المحامون يشتكون من محاباة بعض القضاة لزملاء لهم وطلبنا منهم تقديم شكوى رسمية حتى نرفعها للمحكمة لكنهم يخشون على مستقبلهم المهني وتعطل مصالحهم اذا ما اشتكوا على القضاة".

وهنا أشار عابد الى ان النيابة اتخذت قرارا بالمحاكمات السريعة في الجنح البسيطة التي تشكل 75% من القضايا الموجودة وهو ما اختصر اجراءات كثيرة, وصب كل اهتمام النيابة على القضايا الكبيرة والجنايات الصعبة.

وأما عن علاقة النقابة بالقضاء والنيابة فذكر النجار ان النقابة من أطراف العدالة ودورها مكمل لدور القضاء والنيابة, لكن التعاون معهم محدود جداً, لافتا الى وجود مخالفات كبيرة في النيابة دفعتهم لتقديم شكاوى ضدها, منها ان النيابة توقف بعض المحامين بدون تهمة تستحق ذلك, كما ان النائب العام يمنع عددا من المحامين من السفر دون وجه حق أو مخالفة.

وتابع أمين سر نقابة المحامين "جاءتنا خلال اسبوعين قرارات توقيف بحق اثني عشر محاميا وعند حضورنا لجلسات التحقيق معهم لم نجد تهمة محددة او مخالفة ارتكبوها, ومع ذلك هناك اصرار من النيابة على استمرار التحقيق معهم واستجوابهم".

بدروه قال عابد "اعتراض نقابة المحامين على منع البعض من السفر لا يجوز لأن المرفوضين من السفر تنتظرهم محاكمات, كما ان بعض المحامين لا يستوفون اجراءاتهم القانونية وملفاتهم الضريبية ناقصة, والتحقيق مع المحامي اكثر من مرة هدفه استكمال الادلة وحتى يكون التوقيف على اساس قانوني متين".

وهنا أضاف النجار "النقابة تشعر ان هذه الاجراءات بعيدة عن القانون وتوجد مشكلة لدى النيابة, كما ان الانقسام السياسي انعكس على مجال العمل بين النقابة والنيابة والقضاء", مستدركاً "حاولنا تجاوز الازمة وابعاد العلاقة عن التسييس لكن يبدو ان التأثير السياسي عليهم كبير خاصة في النيابة".

اجراءات معقدة

المحامون هم الاكثر قرباً من القضاء بحكم تعاملهم اليومي معه وهم الاقدر على تقييمه, وقد لجأت "الرسالة" لعدد منهم الا ان أغلبهم رفضوا الحديث خوفاً على مصالحهم وعلاقتهم مع القضاء والنيابة, بينما أكد أحدهم انه يعاني من الاجراءات المعقدة والروتينية في النيابة والقضاء ومن طريقة تعاملهم مع المحامين والمواطنين التي هي بعيدة عن الاحترام والتفاهم, قائلاً "قبل احترام القانون لا بد من احترام المهنة وأخلاقياتها".

وأشار الى ان السياسة تلعب دورا كبيرا في الخلافات الموجودة والاشكاليات بين النيابة والقضاء, مشيرا الى انه يوجد محاباة من بعض القضاة لمحامين على حساب الاخرين بسبب العلاقات الوثيقة بينهم وهو ما يؤثر على عمل ونزاهة القضاء.

وأوضح المحامي الذي رفض ذكر اسمه انه سحبت من مكتبه عدة ملفات لان موكليه يسمعون بأن محاميا معينا له علاقاته مع القضاة وهو أقدر على تمرير اجراءات القضية وانهائها بسرعة.

وقال "المشكلة التي يعاني منها كل محامي القطاع هي تعيين قاضي تنفيذ واحد في غزة, في حين ان عدد القضايا كبير جداً وشخص واحد لا يستطيع ان ينظر في هذا الكم من القضايا بمفرده", معتبراً ان المواطنين يشتكون دائما ويبالغون في الحديث عن طول الاجراءات والمماطلة في الاحكام والافراجات بكفالة.

وفيما يخص تجاوزات المحامين طالب بان تكون عقوبة المحامي مشددة أكثر من المواطن العادي لأنه على دراية ووعي بجميع القوانين وبالتي فان مخالفته تكون مقصودة ومتعمدة ومستبعدة فيها حسن النية او الجهل, قائلاً "ان النائب العام لا يحقق مع المحامين الا اذا ارتكبوا جريمة او مخالفة ولا يوجد تحقيقات بدون تهم".

تنقصهم الخبرة والوعي

"الرسالة" بحثت ونقبت عن خبراء القانون لاستقصاء رأيهم بأداء القضاء والنيابة حالياً, حيث يرى الخبراء ان القضاء الحالي والنيابة ينقصهم الخبرة والوعي في الفهم القانوني, وفي هذا الجانب قال سليمان الدحدوح قاضي المحكمة العليا المتقاعد ان القضاء والنيابة يشكلون جزءا كبيرا من وزارة العدل ويمثلون جوهر السلطة القضائية التي يجب ان تكون سلطة مستقلة وبعيدة عن السلطة التنفيذية والتشريعية.

واعتبر ان القضاء العامل في غزة حاليا لا يؤدي دوره على ما يرام وبحاجة لجهد كبير لتطوير ادائه, لان القضاة الحاليين حديثو العهد بالمهنة وخبرتهم قليلة ومتواضعة, وكثيرون منهم لا يراعون الاصول القانونية بحيث يتعامل القاضي كخصم وحكم, مرجعاً ذلك الى تعيينهم دون استيفائهم للشروط اللازمة, واهمها سنوات الخبرة الطويلة والتدرج في المناصب.

بدوره قال فايز حماد قاضي محكمة الاستئناف في القضاء السابق أنه في كل دول العالم يجب ان يكون القضاء مستقلا بحيث يعمل بعيدا عن اي حزب, حتى يكون ولاءه للقانون والحق فقط, كما ان قانون السلطة القضائية وضع قواعد ثابتة لكيفية تعيين القاضي, موضحاً ان الحكومة بغزة اضطرت لملء الفراغ بعد "ازاحة القضاء السابق لأسباب مشتركة تتحمل مسئوليتها حركتا فتح وحماس", حيث ان القضاة الذين عينوا تنقصهم الخبرة, كما ان القانون نص على أن تعيينهم يجب أن يتم بمرسوم يصدر عن رئيس السلطة, وهو ما لم يحدث عند تعيينهم.

وقد وافقه الدحدوح الرأي قائلاً "الاساس في القاضي ان يعمل في مجال القانون مدة طويلة جداً ويجب ان يكون لديه تاريخ قانوني كبير, ويراعى عند تعيينه الخبرة الطويلة وحجم القضايا التي عمل بها, مضيفاً: ربما يكون القضاة اكتسبوا بعض الخبرة خلال الاربع سنوات الماضية لكن الكثير منهم يرتكبون أخطاء جسيمة, ويتعاملون مع المحامي كخصم او يسيئون اليه وفي بعض الحالات التي وصلتني يشتموه, وهنا يجب ان يطلب المحامي من مجلس القضاء التحقيق معه, لكن بعض المحامين ايضاً لا يعرفون كيفية مخاصمة القاضي".

من جانبه بين حماد ان الاحكام لها عدة اعتبارات والعقوبة هي من صلاحية القاضي ضمن اطار القانون سواء بالحد الاقصى المنصوص عليه أو بتخفيفها لأقصى درجة, ومن حق النائب العام ان يستأنف.

وفيما يخص الاحكام المخففة التي يصدرها القضاء خاصة في قضايا المخدرات أكد الدحدوح ان قانون المخدرات المصري كان يقضي بعقوبة تصل لحد المؤبد والاعدام بحق تجار المخدرات, لكن الاحتلال الاسرائيلي استبدل هذا القانون وأعاد العمل بقانون العقاقير الخطرة  الذي كان معمول به زمن الانتداب البريطاني الذي يعتبر ان حيازة المخدرات جنحة وليست جناية, مشددا على انه حتى الان لم يصدر قانون فلسطيني يحدد عقوبة جرائم المخدرات, مطالباً بضرورة تشديد العقوبة في هذه القضية بسبب خطورتها على المجتمع.

وأشار الدحدوح الذي عمل في القضاء لمدة تزيد عن خمسة وأربعين عاماً الى ان تبرير تخفيف الاحكام بهدف الإصلاح بعيد عن الموضوعية لان القانون ليس سيفا على رقاب المواطنين مستشهداً بقول الله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ), حيث ان هذا النص القرآني هو جوهر القانون, و يجب معاقبة المجرم حتى لا يستهين كل انسان بارتكاب ذات الجريمة.

ويرى الدحدوح ان الاجراءات الطويلة في المحاكم تعود اما لجهل القاضي او لضعف موقف أحد المحامين الذي يحاول التلكؤ والمماطلة وتأجيل الجلسات, ويستغل سهوة القاضي الذي يكون غير جاد أو غير مدرك للإجراءات القانونية وبالتالي تستمر المحاكمات لسنوات وتضيع الحقوق.

 

اخبار ذات صلة