الرسالة نت - أحمد الكومي
"نحن سعداء لأننا أمنّا حق المواطن الإسرائيلي في الحصول على الغاز المصري، ورغم المطالبات العديدة في مصر بوقف تصدير البترول لكنها استمرت في ذلك".. بهذا يتفاخر وزير البنية التحتية الإسرائيلي أمام اللجنة الاقتصادية بالكنيست، في الوقت الذي تعجز فيه عائلات مصرية بأكملها عن تحمل تكلفة أنبوبة غاز –هذا إن توفر لها الوصول إليها أساسا- ووجود مناطق عديدة في محافظات تعاني نقصًا شديدًا في الخدمات العامة مثل المياه والكهرباء, والغاز أولها.
لم يرق ذلك للمصريين فأشعلوها نارًا في وجه (إسرائيل) بتفجير خط أنابيب الغاز الطبيعي الممتد من مصر إلى الكيان والأردن في شبه جزيرة سيناء للمرة الثالثة على التوالي.
معين رجب -أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر- قال إن التفجير كان جزءا من التمرد والرفض الشعبي للعلاقة المصرية الإسرائيلية، مؤكدا أنه جاء من منطلق إجحاف بنود اتفاقية الغاز بحق مصر دولة وشعبا، "بعد أن صدرت بحقها قوانين من محاكم مصرية متخصصة طالبت بضرورة تعديل شروطها أو إلغائها، وهو المسعى الأقوى الذي يلبي مطالب المصريين".
وأثارت الاتفاقية التجارية التي وقعتها الحكومة مع (إسرائيل) بشأن تصدير الغاز إليها في عهد النظام السابق جدلًا شديدًا وقوبلت برفض شعبي؛ خاصة بعد أن تبين قدر الخسائر التي تكبدتها مصر جراء تلك الاتفاقية.
وبمقتضى الاتفاقية فإن الغاز يُضخ لـ(إسرائيل) بأقل من الأسعار المتعارف عليها دوليا فضلا عن أن الصفقة المريبة التي تورط فيها النظام السابق كانت عمولاتها وأرباحها تقتسم على رموزه المتورطين فيها والخاضعين للتحقيق الآن.
وقال الخبير الاقتصادي رجب إن الحكومة المصرية مضطرة إلى أن تعيد النظر، "وتصحح بنود الاتفاقية بصورة تعيد للمصريين كرامتهم، وتخفف الضرر عن اقتصاد مصر"، وأضاف: "الاتفاقية كبدت اقتصاد مصر خسائر فادحة فاقت ملايين الدولارات، واستمرارها من شأنه أن يدمر اقتصاد القاهرة ويُغرقها في ديون لا طائل لها بسدادها".
البورصة الإسرائيلية
وعلى صعيد اقتصاد (إسرائيل) ومستقبل البورصة فيها شدد الخبير الاقتصادي على أن تلك التفجيرات من شأنها أن تُحدث عجزا كبيرا في المعروض من الغاز الطبيعي للكيان، مبينا أن نقص الكمية المعروضة في الأسواق الإسرائيلية سيدفع بشركات الغاز داخل الكيان إلى رفع الأسعار خوفا على رصيدها في البورصة.
وتحصل (إسرائيل) على نحو 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي من الجانب المصري؛ مما أثار مخاوف الإسرائيليين من إمكانية حدوث نقص ملموس في الطاقة الكهربائية خلال فصل الصيف ما لم يُستأنف تزويد (إسرائيل) بالغاز.
وشهدت البورصة الإسرائيلية انهيارا كبيرا في أسهمها الرئيسة عقب الإعلان عن التفجير الأخير لخط الغاز المصري المُصدّر لـ(إسرائيل) حيث هبطت أسهم شركة ’إمبال’ بنسبة 8.5٪ بخسارة تصل لمليار دولار.
وقال الدكتور سمير عوض -أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت- بدوره إن علاقة مصر بـ(إسرائيل) ستتأزم، مستدركا: "تأزم العلاقات أمر مؤكد، ولكن لن تصل إلى حد المساس باتفاقية الغاز الموقعة بين الدولتين".
ويعزو عوض أسباب نأي الاتفاقية عن الأوضاع الساخنة الدائرة على الساحة العربية والدولية وعدم التأثر بها إلى غياب الرفض والتنديد بالاتفاقية من أعلى الهرم السياسي بمصر، وأضاف: "من قراءتي الأخيرة للأحداث الجارية في مصر لم أر أي حزب سياسي طالب بقطع علاقة مصر بالكيان، أو حتى التنديد بالاتفاقية".
من المسؤول؟
ورجحت بعض المصادر وقوف النظام المصري خلف تفجيرات أنابيب الغاز المؤدية إلى (إسرائيل)، وهو ما استبعده عوض جملة وتفصيلا، وقال: "النظام المصري يحرص في الفترة الحالية على ترتيب الأوراق والحفاظ على علاقات "فاترة" مع الكيان الصهيوني"، موضحا أن النظام المصري في حالة "خلل أمني" صغير، "لكن لن يستمر الوضع كما هو عليه".
وتابع عوض: "لا تعنينا الجهة المسؤولة عن التفجيرات بقدْر ما يهمنا جوهر القضية، فالاتفاقية طويلة الأمد، وصدرت بحقها قوانين عدة رفضتها وطالبت بإلغائها".
وتوافقه الرأي "أغادير بركات" -المتخصصة في العلاقات الدولية- التي استبعدت تفجير النظام المصري لأنابيب الغاز، ونفت أن يكون لتلك التفجيرات أي تأثير على الاتفاقية؛ "كونها اتفاقية لها صيتها السياسي والدولي المعروف على صعيد الأمم، إضافة إلى السنوات الطويلة التي مرت عليها"، وفق قولها.
ونوهت إلى أن عمليات التفجير "المقصودة" خارجة عن نطاق الدولة وسياسة الحكومة، مستطردة: "قد تسوء العلاقات بين الدولتين لفترة بسيطة ولكن سرعان ما ستعود الأمور إلى نصابها"، وأردفت قائلا: "قد يكون للثورات العربية أثر إيجابي في قطع علاقة مصر بالكيان الصهيوني لكنه يصعب تحقيق ذلك على الصعيد الدولي والسياسي"، مستدركة: "شرعية الحكومة المصرية الحالية محدودة، ولا انتخابات برلمانية أو رئاسية حتى الآن.. وعليه ينبغي على الحكومة الحفاظ على العلاقات الدولية القائمة، والتركيز بقوة على ترتيب واستقرار البيت الداخلي".
وكالعادة تستأنف مصر من جديد ضخ الغاز إلى (إسرائيل) ضاربة بعرض الحائط نداءات الشعب المصري الذي حمل بُعيد ثورة 25 يناير شعار: "الغاز لمصر والعار لـ(إسرائيل)".