في خضم المعركة الدبلوماسية التي تخوضها السلطة الفلسطينية في أروقة الامم المتحدة بحثا عن اعتراف بدولة فلسطينية على حدود العام 1967، تحلّ اليوم الذكرى الـ11 لانطلاق الانتفاضة الثانية. ولمناسبة هذه الذكرى تسلّط «السفير» الضوء على بعض ما حملته برقيات «ويكيليكس» من توثيق لجوانب عديدة من انتفاضة بدأت في 28 أيلول 2000، ولم يحدّد بعد موعد انتهائها، بين تقييم تأثير الحراك الشعبي الفلسطيني على اقتصاد الاحتلال (الإسرائيلي)، وكشف بعض المواقف الإقليمية ذات الدلالات السياسية.
** لقاء «في الظلّ»
تحمل برقية دبلوماسية صادرة عن السفارة الأميركية في مسقط بتاريخ 14 كانون الأول 2004، تفاصيل لقاء بين وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي ومسؤول من وزارة الخارجية (الإسرائيلية). وتفيد البرقية بأن (إسرائيل) رأت في قرار عمان استضافة مؤتمر لـ«مركز أبحاث تحلية المياه في الشرق الاوسط» الذي يضم (إسرائيل) وأميركا، فرصة للقاء دبلوماسي «في الظلّ» مع مساعد وزير الخارجية العماني سيد بدر البوسعيدي. وبعد العمل على تمكين مساعد وزير الخارجية (الإسرائيلي) حينها لشؤون الشرق الأوسط شالوم كوهين، علم (الإسرائيليون) أن البوسعيدي سيكون في الرباط لحضور منتدى عالمي، لكنهم أعلموا بأن بن علوي نفسه سيلتقي كوهين.
واستغرق اللقاء بين بن علوي وكوهين 90 دقيقة، واتفق خلاله الجانبان على «ضرورة دعم أبو مازن»، كما أشار بن علوي إلى أنه إذا سمحت (إسرائيل) بإجراء الانتخابات الفلسطينية في ظروف «مقبولة»، فسيرحب العمانيون بزيارة أخرى من وزارة الخارجية (الإسرائيلية) على مستوى الإدارة العامة. وبحسب البرقية دعا بن علوي (الإسرائيليين) إلى عدم أخذ دعوات سوريا لمعاودة التفاوض على محمل الجد. وأشارت البرقية إلى أن خبراء المياه (الإسرائيليين) تلقوا دعوة أخرى للقاء علماء عمانيين في جامعة السلطان قابوس، وإلى أن الوفد (الإسرائيلي) فرح لأن وزير الخارجية العماني وضع سيارة وسائقا تحت تصرفهم.
** حرص» تركي
في برقية صادرة عن السفارة الأميركية في أنقرة بتاريخ 18 آذار 2003، ينقل الدبلوماسيون الأميركيون عن مدير شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية التركية تحسين بوركو اوغلو قوله إن «حادثة صلاة غير المسلمين في الحرم القدسي يوم 22 تموز 2003، قد تؤثر سلبا على مشاركة تركيا في العراق وفي خريطة الطريق».
وتوضح البرقية أن بوركو اوغلو حث الاميركيين على الضغط على (الإسرائيليين) في اتجاه عدم اتخاذ مواقف مستفزة في الشأن الداخلي، «وعكس قلق الحكومة التركية، من أنه إذا سمحت (إسرائيل) لغير المسلمين بالصلاة في الحرم الشريف، فستنطلق مواجهات جديدة. ويخشى بوركو اوغلو من أن مواجهات كهذه قد تعقّد عملية مشاركة تركيا في برامج إقليمية كإعادة بناء العراق وخريطة الطريق لأن الرأي العام التركي والبرلمانيين سيتبنون على الأرجح رد فعل سلبي».
الانتفاضة واقتصاد (إسرائيل)
أصدرت السفارة الأميركية في (تل أبيب) بتاريخ 19 آذار 2004 تقريرا عن تأثير الانتفاضة على الاقتصاد (الإسرائيلي). وبحسب الوثيقة فإن الاقتصاديين (الإسرائيليين) يتفقون بشكل عام على تقييم هذه التأثيرات. وترى وزارة المالية (الإسرائيلية) ومعها مصرف (إسرائيل) المركزي أن الانتفاضة «أثرت على الاقتصاد (الإسرائيلي) عبر سلسلة من التبعات». وبعد انطلاق الانتفاضة في أيلول 2000 مباشرة، كان التأثير الأقوى على قطاعات محدودة كالسياحة والصادرات إلى اراضي العام 1967 وقطاعي البناء والزراعة، و«أدى قرار الحكومة (الإسرائيلي) خفض مستوى العمالة الفلسطينية في (إسرائيل)، إلى تراجع معدل النمو في القطاعين الأخيرين».
وقدرت وزارة المالية (الإسرائيلي) بتاريخ البرقية الأميركية، أن الانتفاضة أدت إلى تراجع بنسبة 3 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي السنوي للعام 2001. وتشير المعطيات (الإسرائيلية) إلى أنه مع استمرار الانتفاضة بعد العام 2002، تراجعت مستويات الانفاق الفردي بحوالي 2.3 في المئة بعد نموها لأعوام عديدة، ويحتوي هذا الرقم على تراجع حاد بنسبة 11 في المئة في استهلاك السلع المعمرة.
وشكل البعد الدفاعي سياقا آخر لتأثر الاقتصاد (الإسرائيلي) بالانتفاضة، مع ارتفاع نسبة الانفاق العسكري (الإسرائيلي) من 8.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2000 إلى حوالى 10.2 في المئة في العام 2002، ما يؤدي بحسب وزارة المالية (الإسرائيلية) إلى «تراجع اداء الخدمات ومستوى عيش المواطنين، إضافة إلى ارتفاع في العبء الضريبي، يؤذي قطاع الأعمال ويقوض النمو في المستقبل». وقدر تقرير لوزارة المالية تأثير الانتفاضة على الاقتصاد (الإسرائيلي) بخسارة حوالى 14 مليار دولار بين العامين 2001 و2003، بما لا يشمل «الضرر المباشر الذي لحق بالأشخاص والملكيات».
من جهته، يقدر مسؤول في المصرف المركزي (الإسرائيلي) التراجع الفرضي للنمو (الإسرائيلي) نتيجة الانتفاضة بحوالي 6 نقاط للناتج المحلي محذرا من ان «مستقبل (إسرائيل) على المحك»، ومشيرا إلى أهمية ضمانات الإقراض الأميركية لتعزيز الاستثمار الخارجي في الدولة العبرية.
وختم الدبلوماسيون البرقية بلهجة درامية: «هذه هي التكلفة الحقيقية للانتفاضة، وستكبر مع استمرار العنف».