قائمة الموقع

بعد عام على الحرب.. غزة تواجه موتاً بطيئاً

2010-01-08T19:07:00+02:00

البيئة: الحصار منعنا من إرسال عينات للمختبرات الدولية

الطاقة: الإشعاعات زادت في مناطق الاستهداف

لجنة التوثيق: خبراء أكدوا وجود معادن مشعة ومسرطنة

خبير: الاحتلال تعمد تدمير الحياة البرية والحيوانية بالقنابل الدخانية

غزة- فادي الحسني

ركام متناثر هنا وهناك، وأشجار مقتلعة من جذورها، وأجنة مشوهة ملقاة على أسرة المستشفيات، ومياه ملوثة، وهواء ممزوج بروائح كبريتية باعثة على الاختناق، وتربة مسممة دمرت المزروعات.

هذه هي ملامح البيئة الفلسطينية في قطاع غزة التي دمرتها آلة الحرب "الإسرائيلية"، وسحقت عناصرها (الماء، التربة، الهواء)، بعمدها استخدام أسلحة فتاكة، تبين أنها مشعة ومسرطنة.وانقضى عام على الحرب على غزة، لكن آثار هذه الحرب باقية، في ضوء انعدام آفاق معالجتها، لاسيما أن إغلاق المعابر يحول دون توريد مختبرات لفحص المواد السامة والإشعاعية، كما أنه ليس هناك دعاوى قضائية من الممكن أن تضع حدا لعبث الاحتلال في البيئة.

*تدهور خطير

والخطر الأكبر على البيئة الفلسطينية يكمن في التدهور الخطير والاستنزاف الحادث لكافة المصادر البيئية، فيما أن التحدي الأكبر الذي تواجهه المؤسسات القائمة على رعاية البيئة هو العمل على وقف هذا التدهور الخطير والاستنزاف السريع.لكنّ هذا الهدف يبقى صعب المنال في ضوء الظروف الحالية التي يعيشها قطاع غزة من حصار وممارسات واعتداءات إسرائيلية مستمرة وخطيرة بحق البيئة الفلسطينية.

كما أن من بين التحديات التي تواجه الجهات المختصة هو افتقاد القطاع لمختبرات قادرة على فحص العينات التي جرى استخراجها سواء من التربة أو المياه أو حتى من الزراعة أو الهواء، ـالأمر الذي دفع بهم لإرسال بعض العينات بشكل غير مباشر إلى مختبرات دولية للعمل على فحصها.

ويقول القائم بأعمال رئيس سلطة جودة البيئة المهندس عوني نعيم :"لم نستطع إرسال عينات للمختبرات الدولية وذلك بفعل إغلاق المعابر..فقط أُرسلت عينات زراعية للخارج بطرق غير رسمية، نظرا للمعيقات التي تواجهنا".

ولكنه أكد في الوقت ذاته أن ثلاث تقارير من برنامج الأمم المتحدة لحماية البيئة وكذلك أكاديمية فرنسية في باريس، إضافة إلى خبراء أسلحة قدموا إلى غزة عقب الحرب، خلصت إلى أن هناك مجموعة ملوثات تعاني منها بيئة قطاع غزة.

وبين نعيم أنهم على تواصل مستمر مع المؤسسات الدولية للمطالبة بمساعدتهم لإرسال وفود ولجنان فنية لتقوم بفحص عينات من داخل القطاع، لافتا إلى أنهم طالبوا بتوفير أجهزة مخبرية وحصلوا على الموافقة من قبل وزارة المالية التي تكفلت بتغطية تكاليف المختبرات، لكنهم لم يتمكنوا من إدخالها نظرا لصعوبة الحركة عبر المعابر التي يقيدها الحصار المفروض على القطاع.

وتشير تقارير صادرة عن مؤسسات حقوقية إلى استخدام دولة الاحتلال مختلف أنواع الأسلحة الكيميائية والمشعة والمحرمة دولياً ضد المدنيين، مثل استخدام الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب والعناصر المشعة والأسلحة الغريبة التي تستخدم لأول مرة وتجرب على المواطنين المدنيين الفلسطينيين.

تتحفظ

في ضوء ذلك كشف مدير دائرة المختبرات المركزية في سلطة الطاقة، أشرف عدوان، عن أن المختبرات الدولية ترفض تحليل العينات وخاصة تلك التي من المشتبه احتواءها على يورانيوم منضب، كما أنها تتحفظ على إعطاء نتائج حول هذا الموضوع.

وقال عدوان: "إذا ما أرسلنا عينات إلى الخارج؛ من يضمن صدور النتائج، خاصة فيما يتعلق باليورانيوم المنضب"، مبينا أن المناطق التي استهدفت خلال الحرب تضاعفت فيها نسبة الإشعاعات.

وأوضح أن بعض التقارير الدولية أكدت استخدام الاحتلال لليورانيوم في حربه على غزة، مؤكدا أن استهدف مختبر الوقاية الإشعاعية في غزة في أعقاب الحرب وإغلاق المعابر، أمران يعيقان إخراج العينات.

أما التقرير الصادر عن اللجنة الوطنية لتقييم الأثر البيئي للعدوان الإسرائيلي على غزة برئاسة سلطة جودة البيئة، فقد خلص إلى عدة نتائج، أهمها تلويث واستنزاف مياه الخزان الجوفي في غزة ، وتلوث الأراضي والتربة الزراعية بشكل مباشر.

وكذلك فإن التأثير على البيئة الاقتصادية تمثلت بتدمير 14% من المباني ، ومئات المصانع وآلاف الدونمات بما يعادل 17% من الأراضي المزروعة، بالاضافة لتدمير 5000 وحدة سكنية تدميراً كاملاً، ناهيك عن التدمير الجزئي.

أما في مجال القضايا الخاصة ففي الأسلحة والذخائر المستخدمة استخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد عن 3 ملايين كيلو جرام من الذخائر ، بمعدل 2 كيلو جرام لكل مواطن، أو 8220 كيلو جرام لكل متر مربع من مساحة قطاع غزة الكلية ، أما عن النفايات الصلبة فقد وصل حجم المخلفات الطبية الخطرة الناتجة في فترة الحرب إلى 8-9 آلاف طن من مختلف أنواع النفايات الطبية.

وبناء على هذا الكم الهائل من تأثيرات الحرب على البيئة الفلسطينية وعلى كافة الصعد، فإن سؤالا يطرح نفسه في هذا السياق: لماذا لم تقم الجهات المختصة برفع دعوى قضائية ضد الاحتلال لانتهاكه حق المحافظة على البيئة؟، في ضوء توفر الشواهد والأدلة؟

وفي هذا الصدد يجيب نعيم: "ليس من اختصاص سلطة البيئة رفع دعاوى قضائية، لكننا وعقب تقرير تقييم الأثر البيئي للحرب على غزة، سنقوم بمراسلة الجهات الدولية ذات العلاقة بالبيئة، من اجل العمل على وقف هذا التدهور الخطير الحاصل للبيئة".

أدلة وبيانات

بينما قال رئيس "اللجنة المركزية للتوثيق وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين" القاضي ضياء المدهون: "كافة الدعاوى التي نقوم بتوجيهها للمحاكم المختصة سواء محكمة الجنايات أو غيرها نضع أمامها كافة الأدلة والبيانات لنؤكد أن هناك جرائم حرب ارتكبت في قطاع غزة مناهضة لاتفاقية لاهاي وجنيف، وأن إسرائيل استخدمت أسلحة محرمة دوليا فيها انتهاك للقانوني الدولي وهذه تعتبر جريمة حرب"، مؤكدا أنهم يتقدمون بالدعاوى بأسماء ضحايا وليس بأسماء مؤسسات.

وأكد المدهون أنهم تنبؤا لمثل هذه الجرائم بحق البيئة عقب الحرب مباشرة، لذلك قاموا بإعطاء أطباء وخبراء دوليين عينات من الهواء والتربة ومن أجساد الضحايا، وقاموا بفحصها في مختبرات دولية، وتبين وجود معادن مشعة وسامة ومسرطنة مستخدمة في أسلحة الاحتلال.

وأضاف :"تبين وجود أكثر من ثلاثين معدن سام ومشع ومسرطن، الأمر الذي ينذر بأثر بالغ على البيئة والصحة العامة في قطاع غزة".

وأكد أن المعادن المشعة قد خالطت المياه والهواء والتربة، مشيرا إلى أن المواطن سيتعرض لها على مدار الأيام القادمة، "لا ندري إلى أي مدى ممكن أن تستمر، وهذا يعود للمعالجة".

وكشف عن أن الاحتلال استخدم أسلحة كتجارب على أهالي قطاع غزة، مشيرا إلى أن التقارير الصادرة من أكثر من جهة تؤكد على ذلك.

لكن الخبير البيئي المصري د.أحمد عبد الوهاب يرى أن مسألة رفع الدعاوى القضائية ضد الكيان الصهيوني تحتاج لتفعيل دولي، خاصةً أنه لم يتم رفع دعاوى قضائية من قبل على الكيان الصهيوني بسبب تدميره للبيئة".

واستشهد عبد الوهاب بالتجربة الكندية، حيث أن كندا كانت قد أقامت دعوى قضائية ضد أمريكا لنشرها غازات ضارة وسامة منبعثة من صناعات تقوم بها، وتمكنت من الفوز بالقضية، وحصلت على تعويضات مقابل التأثير البيئي السلبي الذي لحق بأراضيها.

في الوقت ذاته يكشف عبد الوهاب، عن أن إسرائيل هدفت من خلال حربها تغير ملامح البيئة الفلسطينية، مؤكدا أن ما حدث لا يعبر عن الفكر الحربي الذي ينتهجه الكيان الصهيوني فحسب، بل إن أمريكا اتبعته خلال الحرب على العراق؛ حيث استخدمت نوعية من الأسلحة كانت تتسبب في إحداث العقم، وأبلغت جنودها بذلك قبل الحرب أنهم قد يكونون غير قادرين على الإنجاب بعد الحرب؛ وكذلك الوضع بالنسبة لغزة".

القضاء على الحياة

وقال عبد الوهاب :"تعمد الكيان الصهيوني استخدام المبيدات السامة لتدمير الغطاء النباتي، وكذلك القنابل الدخانية لتدمير الحياة البرية والحيوانية؛ والمغزى من ذلك الأسلوب في الحروب هو القضاء على كافة أشكال الحياة وليس البشر فحسب"، مبينا أن الحرب أثرت بشكل كبير في المنظومة النباتية لغزة؛ حيث تم تدمير أشجار الزيتون والفاكهة، وكذلك تم تجريف التربة بالدبابات الحربية؛ ما أدى إلى اقتلاع الآلاف من الأفدنة الزراعية بجانب تلويث التربة لاستخدامهم القنابل الفسفورية المدمرة.

وتابع:"أسلحة الحرب الفتاكة لم تفرِّق بين الإنسان والحيوان، وأيضًا علميًّا تسبب ذلك الوضع في إحداث خلل في التوازن البيئي والتنوع الحيوي".

ووفقا لتقديرات إحصائية فإن 90% من المياه الجوفية لا يوجد بها سوى 10% فقط صالح للشرب، بجانب زيادة تركيز نسبة النترات ليتعدى عشرة أضعاف المسموح به بالمياه.

وبناء عليه يقول عبد الوهاب "إن "النترات" بمياه الشرب لا يشكل خطورة كبرى على صحة الإنسان، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في انتشار "النيتريت" وهي أشد خطورة وبالتأكيد هي موجودة في المياه ".

أما بالنسبة للنفايات الصلبة التي خلفتها الحرب، فإن الخبير البيئي دعا الجهات القائمة على رعاية البيئة في غزة إلى معالجة الأمر من خلال شق حفر عميقة بالمناطق الصحراوية بعمق 75 مترًا تحت الأرض يتم فيها دفن النفايات ومن ثم زراعة النباتات فوقها وبذلك تتحول القمامة إلى سماد نافع للتربة، كما أكد.

مع أنه شدد في ذات الوقت على ضرورة الحذر قبيل التخلص من النفايات من خلال فرزها؛ "المعادن بجانب والبلاستيك بجانب آخر، وكذلك المواد العضوية".

على نحو متصل بين عبد الوهاب أن الحرب على غزة أثرت بشكل كبير أيضا على الهواء؛ حيث تسببت المركبات العضوية والقنابل الفسفورية في حدوث تخلل في طبقات الهواء.

وأشار إلى أن ما يزيد عن 30% من أطفال غزة أصيبوا بأمراض في الجهاز التنفسي؛ ولم يتوقف ذلك عند هذا الحد بل تمثلت تداعيات الحرب في أن ينتقل الهواء الملوث بفعل آلة الحرب الصهيونية من غزة إلى بلدان أخرى مجاورة، منها مصر والأردن وسوريا.

وتضاعفت نسبة الأجنة المشوهة في قطاع غزة عقب الحرب عن الأعوام الماضية، الأمر الذي يزيد من الشك حول الأسلحة التي استخدمتها "إسرائيل" في غزة.

وتوقع عبد الوهاب أن يصاب نحو 10 آلاف من المواطنين بالسرطان في ظل ملايين الأطنان من المتفجرات التي قُذف قطاع غزة بها وقت الحرب؛ علاوةً على انتشار أمراض الصدر والقلب والربو، وتشوه الأجنة.

وإلى أن يتحقق أحد الحلان، فتح المعابر أو توفير مختبرات داخلية، فإن التلوث سيبقى ينهش في جسد البيئة الفلسطينية فيما سيبقى سياطه يلهب أجساد سكان القطاع.

اخبار ذات صلة