امتنعت حميدة القمبز عن الانتقال هذا العام إلى شبه جزيرة سيناء عبر الأنفاق لمعايدة أسرتها جراء الإجراءات المصرية على الحدود مع قطاع غزة منذ الهجوم المسلح على نقطتي تفتيش لقوات حرس الحدود المصرية.
وخلال العام الماضي تمكنت تلك السيدة من زيارة عائلتها في عيدي الفطر والأضحى من خلال الأنفاق التي ازدهر عملها عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.
وكان نشاط الجيش المصري أبرز ملامح عيد الفطر هذا العام على السكان الفلسطينيين والمصريين على جانبي الحدود.
وكانت السيدة القمبز مصرية الجنسية في اليوم الرابع من العيد في طريقها إلى عائلتها في رفح المصرية لكنها توقفت داخل النفق وعادت أدراجها إلى غزة مع اقتراب الجيش المصري من "عين" النفق في رفح المصرية.
وتقطن القمبز في رفح الفلسطينية منذ خمسة عشر عاماً وقد أنجبت أربعة أبناء خلال تلك الفترة وجميعهم سلكوا طريق الأنفاق من أجل زيارة عائلة والدتهم العام الماضي لكنهم حزينين هذا العام.
"صاحب نفق "الأمن يتابع كل شيء يدخل من النفق حتى النمل" في إشارة إلى الإجراءات الأمنية الصارمة المتبعة في الجانب الفلسطيني.
"
وقالت تلك السيدة وهي في الثلاثينيات من العمر "كان نفسنا أن نعيد عند أهلي في سيناء بس الأوضاع الأمنية صعبة .. في اليوم الرابع من العيد حاولت أنا والأولاد لكن رجعنا من وسط النفق خوفاً من وجود الجيش المصري".
وهاتفت القمبز والدها ووالدتها وهنأتهم بالعيد مثل ما فعل آخرين كثر هذا العام.
ويضطر الفلسطينيون في غزة إلى القفز في الأنفاق والسفر بطريقة غير شرعية في ظل تكدس المسافرين على معبر رفح البري البوابة الوحيدة لـ 1.8 مليون فلسطيني يقطنون في القطاع الضيق.
وفرضت أجهزة الأمن الفلسطينية إجراءات مشددة على مرور الأفراد عقب هجوم سيناء لكنها فتحت بعض الأنفاق أمام مرور القادمين إلى القطاع قبل الهجوم ومن غادروه عبر معبر رفح وعادوا إلى غزة عبر الأنفاق.
وقال صاحب نفق أبو جميل الشهير الواقع قرب بوابة صلاح الدين "الأمن يتابع كل شيء يدخل من النفق حتى النمل" في إشارة إلى الإجراءات الأمنية الصارمة المتبعة في الجانب الفلسطيني.
وفي الجهة الأخرى من النفق يعمل فردان وهما مشدودان في إخراج وإدخال المسافرين وعينهم تراقب حركات الجيش المصري الذي بدأ منذ اليوم الأول للعيد في تدمير عدد كبير من الأنفاق مع غزة.
وعلى الحدود في رفح الفلسطينية يمكن رؤية عشرات المعدات العسكرية المصفحة وأخرى للبحث عن الأنفاق بالعين المجردة على طول الشريط الحدودي البالغ ثلاثة عشر كيلو متر.
ودفع الجيش المصري بتلك المعدات في سابقة نادرة منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر و(إسرائيل) في العام 1979.
وتحطمت أحلام كثير من سكان سيناء وقطاع غزة خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر رمضان وعيد الفطر جراء تلك الإجراءات.
واكتفت القمبز بالقول "حسبنا بالله ونعم الوكيل في المجرمين قتلة الصائمين". في إشارة إلى حادث مقتل الجنود المصرين قرب بلدة رفح المصرية.
بينما قالت حنان أحمد الفلسطينية القاطنة في سيناء منذ ربع قرن "لقد دمر هذا الحادث كل ما خططت له خصوصاً قضاء العيد في أحضان والدتي المسنة في رفح المصرية".
وتأتي تلك الإجراءات في وقت اشتداد أزمة إغلاق معبر رفح مع مصر وهو المنفذ البري الوحيد لقطاع غزة على العالم الخارجي.
وقال محمد (13 عاماً) نجل السيدة القمبز وهو يحمل جواز السفر بيده "لماذا لا يسمحوا لنا بالسفر عبر المعبر طالما منعونا من السفر عبر الأنفاق".
وكان هذا الفتي يشير بذلك إلى التوتر الأمني الذي تشهده منطقة شمال سيناء منذ الهجوم المسلح في الخامس من الشهر الجاري على نقطتي تفتيش لقوات حرس الحدودي المصرية وأدى لمقتل 16 جندياً وجرح 7 آخرين.
وأعلنت السلطات المصرية عن سلسلة آليات لعمل المعبر بعد عيد الفطر لكنها فتحته أمس الاربعاء واليوم الخميس أمام العائدين إلى قطاع غزة.
وتقول تلك السلطات إنها ستفتح المعبر ابتداءً من الاسبوع المقبل لستة أيام أسبوعياً لكن مغادرة الفلسطينيين إلى مصر ستقلص إلى ثلاثة أيام في الأسبوع.
ولاقى هذا الهجوم الدامي استنكار شعبي ورسمي واسع في مصر وقطاع غزة خصوصاً من قبل السكان على جانبي الحدود حيث تربط غالبيتهم علاقات عائلية ومصاهرة منذ عقود طويلة.
"الجيش المصري دفع عشرات المعدات العسكرية الى رفح المصري للبحث عن الأنفاق المنتشرة على طول الشريط الحدودي البالغ ثلاثة عشر كيلو متر.
"
وعمدت أجهزة الأمن الفلسطينية في قطاع غزة فور وقوع حادثة سيناء عن إغلاق الأنفاق التهريب لكن بعضها عاد للعمل بشكل تدريجي وفق ما ذكر مالكو أنفاق وعاملون.
ولا يزال الجيش المصري يواصل عملياته في سيناء دون أي اتهام رسمي لأي جماعة مسلحة حتى الآن بالمسئولية عن الهجوم.
وتلك الإجراءات تسببت في إغلاق كثير من الأنفاق من خلال ردمها بمعدات الجيش المصري.
ويقول سكان في رفح الفلسطينية وقرينتها الفلسطينية إنهم لاحظوا انتشار عشرات الجنود المصريين المدججين بالسلاح ومعدات عسكرية وأخرى مدمرة على الحدود المقابلة لمنطقة أحياء البرازيل والسلام والبراهمة الفلسطيني وقاموا بتمشيطها بالاستعانة بكلاب بوليسية خلال أيام العيد.
كما يشارك الطيران المروحي المصري في تلك الإجراءات من خلال الطلعات اليومية فوق منطقة الحدود.
واعتبرت السيدة القمبز تلك الإجراءات من قبل الجانب المصري شرعية لكنها صاحت مع أبنائها لماذا يغلقون معبر رفح إذن.
ومنذ تشيد سلطات الاحتلال (الإسرائيلي) معبر رفح قبل ثلاثة عقود من الزمن تنفيذاً لبنود اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر والدولة العبرية أصبح الفلسطينيين يكابدون "المعاناة" على جانبي الحدود بفعل الإجراءات الأمنية الإسرائيلية.
واستبشر الفلسطينيون خيراً عندما تولت السلطة الفلسطينية إدارة المعبر بعد توقيعها اتفاقية المعابر مع (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي في تشرين ثاني/نوفمبر عام 2005.
لكن أزمة السفر عبر المعبر "تفاقمت" نظراً لأسر المقاومة الفلسطينية الجندي (الإسرائيلي) جلعاد شاليط وإغلاقه بعد ذلك بعام من قبل السلطات المصرية إبان حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك بعد أحداث الرابع من حزيران يونيو 2007.
وعانى الفلسطينيون "أشد معاناة" في تلك السنوات إلى أن اضطر مبارك النزيل في سجن "طره" الشهير الآن، فتح المعبر بشكل جزئي بعد العدوان (الإسرائيلي) على قافلة "أسطول الحرية" في الحادي والثلاثين من مايو/ أيار 2010.
وتنفس الفلسطينيون الصعداء بعد إسقاط الشعب المصري مبارك من سدة الحكم وتحسن العمل في المعبر "بشكل جزئي" وفق ما يقول مسؤولون ومسافرون.
وكان السيدة القمبز في زمن مبارك "محرومة" من السفر لأنه كانت تخشى إجراءات هذا النظام "الفاسد" وفق ما قالت.