يعمل ضابط الصف دسوقي السيد وخمسة من رفاقه دون كلل أول ملل في التنقيب وهدم الأنفاق الأرضية خلف الحدود مع قطاع غزة المكتظ بالسكان.
ويبدأ عمل هذا الضابط في ساعات الصباح الأولى وينتهي مع غروب الشمس يومياً.
وبدأ الجيش المصري حملة "نسر" الأمنية في شبة جزيرة سيناء بعد يوم واحد من مقتل وإصابة عشرين مجنداً في مدينة رفح المصرية على يد مسلحين متشددين في الخامس من أغسطس/ أب الماضي.
ومنذ ذلك التاريخ وصل ضابط الصف السيد والعشرات من الضباط والجنود العاملين في وحدة الهندسة التابعة للجيش المصري إلى مدينة رفح المصرية وبدأ عمله في التنقيب وردم العشرات من الأنفاق المؤدية إلى قطاع غزة.
وتعمل ست حفرات عملاقة من نوع "هونداي" للشهر الثاني على التوالي في التنقيب وهدم الأنفاق التي حفرها الفلسطينيون للتغلب على الحصار المشدد الذي فرضته إسرائيل على القطاع الساحلي عقب تولي حركة حماس إدارة شؤون القطاع في الرابع عشر من حزيران/يونيو 2007.
وهذه الحملة بدأت تنعكس أثارها السلبية على الفلسطينيين، إذ أن كثير من الأنفاق توقفت عن ضخ مواد البناء والصناعة إلى عمق القطاع الساحلي.
ويتردد بين السكان على جانبي الحدود أن قدرات الجيش المصري المستخدمة لن يكون بمقدورها تدمير الأنفاق بشكل كامل.
ويقر رئيس بلدية رفح صبحي أبو رضوان بأن حملة تدمير الأنفاق تسببت في تراجع دخول مواد البناء والصناعة إلى غزة بنسبة 85% وأن أسعارها بدأت في الارتفاع.
وقال في تصريح لـ "الرسالة نت" إن عمليات البناء في مدينة رفح شهدت تراجعا ملحوظا خلال الشهر الماضي.
والحفارات المستخدمة تستطيع حفر سبعه أمتار في باطن الأرض دفعة واحدة.
ويوضح الضابط دسوقي السيد أن تلك الحفارات تضطر أحياناً إلى حفر منصات في باطن الأرض للوصول إلى عمق أكبر خصوصاً في ظل وجود أنفاق محفورة بعمق يتعدى العشرين متراً.
وتبادل هذا الضابط وجنوده أطراف الحديث مع السكان، وفاجأهم شاب عرف نفسه باسم محمد وهو في العشرينات من العمر بأن عملهم سيذهب سدى لأنه سيعمل مع رفاقه الفلسطينيين في الطرف الأخر على إعادة بناء النفق المدمر.
ويقول مالكو أنفاق وحفارون إن الجيش المصري يدمر الأنفاق السطحية المخصصة لتهريب السيارات ومواد البناء، لكن هناك أنفاقا أخرى كثير ستبقى تعمل إلا إذ اكتشف مكانها داخل المنازل.
وكسرت ثورة الخامس والعشرين من يناير حاجز الخوف لدى كثير من المصريين إذ أن حديثا من هذا النوع بين ضابط في الجيش ومواطن لم يكن أحد يتخيل أن يحدث إبان نظام مبارك الذي يقضي عقوبة سجن المؤبد في سجن "طره" الشهير.
وفي مدينة رفح المصرية التي يقطنها الآلاف لا يزال مقر الشرطة والمحكمة ومعظم المقرات الأمنية مدمرة منذ اندلاع الثورة قبل ثمانية عشر شهراً.
ويقول سكان إن الداخلية بدأت بتشييد مقر للشرطة وأخر كمحكمة لكن عمليات تهديد وصلت للمقاول وعمليات إطلاق نار وقعت قرب المكان أوقفت هذا العمل الذي من شأنه أن يعيد الأمن لتلك المدينة.
وينهي السكان في تلك المدينة نزاعاتهم من خلال الحكم العشائري.
والحملة ضد الأنفاق التي لا تزال في بدايتها تنذر برسائل جادة للسكان بأن فرض الأمن وسيادة القانون قادم لتلك المدينة.
وبدأ هذا الأسبوع نشاط محموم للمخابرات الحربية في مدينة رفح المصرية إذ يخترق جيب رباعي الدفع بين المنازل على الحدود ويداهم المزارع وحظائر الأغنام وأحياناً المنازل المغلقة بحثاً عن الإنفاق.
وعلى متن هذا الجيب الذي يتحرك بشكل لافت في تلك المدينة ضابط كبير موفد من القاهرة وأربعة جنود يحملون بنادق قنص.
ويغلق السكان منازلهم عند قدوم أفراد المخابرات الحربية ويفضلون عدم الحديث معهم أو الاقتراب منهم خشية من بطشهم وفق ما يقولون.
واكتفى حمودة الشاعر الذي غطى فتحت نفق بمنزله بقش الرز والرمال بالقول: "إنهم لا يرحمون أحد .. بدأ عملهم بهدوء والآن يصعدون من أجل تدمير جميع الأنفاق".
ويتركز عمل الجيش المصري خلف الحدود مع غزة إذ يحدد مهندسون مختصون مسار الأنفاق لوحده الهندسة التي تقوم بدورها بالحفر في باطن الأرض لعمق يصل أحياناً إلى واحد وعشرين متراً بحثاً عن الأنفاق.
وتتم عمليات الحفر والتنقيب من الجدار الذي شيده الجيش المصري عقب تدمير الفلسطينيين للحدود مع مصر في شتاء العام 2008 رداً على محاصرتهم وتجويعهم إبان فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.
وتنتهي تلك العملية عند تخوم منازل المصريين الذي يقطنون قرب الحدود التي غالباً ما تتعرض لهجمات من قبل الطيران الحربي الإسرائيلي.
وتتحدث تقارير في الصحافة المصرية نقلاً عن مصادر أمنية عن تدمير أكثر من ربع الأنفاق مع غزة لكن تلك الأرقام تقابل بفتور لدى السكان على جانبي الحدود.
وعلى ما يبدو أن المخابرات الحربية ستتولى في الفترة المقبلة عمليات البحث عن الأنفاق داخل المنازل من أجل هدمها وفق ما يقول السكان في رفح المصرية.
وكان الضابط السيد وعدد من جنوده يسترخون في وسط النهار عندما باغتهم مراسل "الرسالة نت" وتبادل معهم أطراف الحديث على أنه فلسطيني جاء من المعبر بطريق رسمية ليستجم في مصر.
والضابط السيد وجنوده كانوا يعتقدون أن القدس خلف الجدار الذي يفصل بين غزة ومصر وكثير من حديثهم كان هدفه معرفة سبب الانقسام الفلسطيني.
ولم يكن لدى الضابط السيد تعليق على عمل المخابرات الحربية سوى القول إنه "ينفذ الأوامر ويهدم الأنفاق التي تحدد الجهات المسؤولة".