لم تحُد قذيفة الدبابة (الإسرائيلية) التي انفجرت بشرفة منزلها إبان الحرب على غزة قبل ما يقارب الثلاثة أعوام وخطفت نجلها وتسببت ببتر ساقها ويدها اليمنى، عن مواصلة حياتها وطريق الإبداع.
الفلسطينية أم علاء مرتجي واحدة من بين مئات الجرحى الغزيين ممن أفقدتهم آلة الحرب (الإسرائيلية) أعضاءً من أجسادهم فأوقدوا شعلة جديدة عنوانها الأمل رغم الألم والجراح.
وانضمت مرتجى في منتصف العقد الرابع من عمرها - التي استشهد نجلها الصحفي علاء عقب استهداف منزلهم جنوب غزة خلال الحرب – قبل ثلاث أشهر لمشروع إرادة الذي يهدف لدمج جرحى العدوان في المجتمع.
روح الابداع
ويستهدف المشروع التدريبي 400 من جرحى الحرب على غزة وآخرون من ذوي الاحتياجات الخاصة يقدمون يومياً لمقر المشروع بالجامعة الإسلامية من بيت حانون شمالاً وحتى رفح جنوباً.
وافتتحت الورش الحرفية في مبنى إرادة التابع لمشروع تأهيل وتدريب مصابي العدوان على غزة مطلع أيلول سبتمبر الجاري.
وبينما كانت منشغلة في رسم أشكال فنية على الزجاج داخل مباني الجامعة الاسلامية، تقول أم علاء لـ"الرسالة نت" :"عقب الإصابة فقدت الأمل في مواصلة حياتي لكن مشروع إرادة أشعل بي روح الإبداع والتميز مجدداً".
"يستهدف مشروع "إرادة" التدريبي 400 من جرحى الحرب على غزة
"
وتؤكد السيدة الفلسطينية التي تشاركها العشرات من قريناتها في ورشات عمل تدريبية مخصصة لتأهيل جرحى حرب غزة في المجتمع أن الإصابة والإعاقة لا تعوق أبداً ممارسة الإنسان لحياته الطبيعية وتعلمه واستفادته من البرامج والمشاريع المقدمة له.
وتضيف مرتجى – التي تجلس على كرسي متحرك - "تلقيت محاضرات نظرية وأكاديمية في بداية مشروع إرادة تعرفت عبرها على طرق فنية مميزة للرسم على الزجاج والتحف وها أنا اليوم أستغل وقتي وأتعلم كل جديد".
وجهزت ورش المشروع بطرق حديثة تلائم الأشخاص ذوي الإعاقة وتناسب تدريباتهم, وتم تجهيزها بأدوات ومعدات وأجهزة جديدة لجميع الورش.
استفادة كبيرة
أما الشاب محمد النجار فقد بترت ساقه اليمنى وثلاث أصابع من يده اليسرى إثر إصابته بشظايا صاروخ أطلقته طائرة استطلاع (إسرائيلية) عليه خلال حرب غزة.
ويشير الثلاثيني النجار إلى استفادته الكبيرة من برامج مشروع إرادة لتأهيل الجرحى، مبيناً أن الإصابة لم تحد من مواصلته العمل والاندماج في مهنة الدهان .
ويقول الشاب خلال استخدامه آلة لدهان القطع الخشبية "تعلمنا خلال مشروع إرادة امكانية فتح أي جريح مشروعاً خاصاً يستفيد من خلاله في التميز والإبداع ومواصلة طريقه".
"جهزت ورش المشروع بطرق حديثة تلائم الأشخاص ذوي الإعاقة وتناسب تدريباتهم
"
ومن بين مئات المنضمين لبرنامج تأهيل الجرحى الذي ترعاه الحكومة التركية وتنفُذه عمادة التعليم المستمر في الجامعة الإسلامية بغزة مقعدة مسنة تجاوزت عامها الستين.
جلست الستينية فتحية الغرابلي ترسم أشكالاً فنية تجسد بيوت الفلسطينيين القديمة وقراهم وواقع حياتهم قبل نكبة عام 1948 واحتلال (إسرائيل) مدنهم وقراهم ومنازلهم .
وتوضح الغرابلي أن مشروع إرادة أتاح لهم فرصة الإبداع والاندماج في المجتمع والاستفادة والعمل في مجالات عدة.
وتستطرد الغزية التي أصيبت بإعاقة قبل سنوات أقعدتها كرسياً متحركاً "هذا المشروع يُنمي قدراتنا نحو الأفضل حيث تعلمنا عبره دروساً نظرية توجناها بالتطبيق والرسم على الزجاج قبل أسابيع" .
مستويات دراسية
ويؤكد مدرب الحفر على الخشب باستخدام الحاسوب ضمن مشروع إرادة م. يوسف اليازجي أنه بدء مع الطلبة المنضمين للمشروع من الصفر.
ويقول لـ"الرسالة نت" :"بدأنا معهم من رسم النقطة وكيف يرسم دائرة وخط ويحول تلك الأشكال لرسمة متكاملة عبر الكمبيوتر ومن ثم يطبقها على ماكينة خاصة للرسم على الخشب".
ويضم المشروع -بحسب اليازجي- مستويات دراسية مختلفة بين جرحى العدوان الذي استهدف غزة كانوني 2008 – 2009 على مدار 22 يوماً متواصلة .
"يعمل الملتحقين بمشروع إرادة خمس ساعات موزعة على ثلاث أيام أسبوعياً
"
ويلفت إلى أن الجريح المنضم لـ"إرادة" وصل لمرحلة تصميم الأشكال عبر الحاسوب وحفرها على الخشب لوحده خلال أربع أسابيع فقط .
ويضيف "نجد إقبال على العمل والتدريب بنسبة 70% من الملتحقين بالمشروع رغم بعض الصعوبات التي لم تحد من التميز في العمل ".
ويشير الجريح محمد حسونة الذي فقد يده اليسرى جراء قصف (إسرائيلي) تعرض له قبل سنوات إلى أن الإصابة لا تحد من مواصلة الحياة والعمل ولو حتى بيد واحدة، على حد تعبيره .
ويقول حسونة أثناء انشغاله بتصميم شعارا على الحاسوب ليحفره بعد ذلك على الخشب "العمل صعب لكنه يحتاج لتفكير وتركيز .. الجريح الذي يسعى للتدريب والتطوير والإبداع سينجح حتماً" .
ويعمل الملتحقين بمشروع إرادة خمس ساعات موزعة على ثلاث أيام أسبوعياً وتُقلهم باصات مخصصة للمشروع من بيوتهم في مختلف محافظات قطاع غزة إلى مقره بالجامعة الإسلامية.
في حين يبين رامي الشرقاوي مدرس الحفر اليدوي على الخشب أنه لمس استفادة الملتحقين ببرامج إرادة التدريبية من واقع العمل والتدريب المتواصل للشهر الرابع على التوالي.
ويلفت الشرقاوي إلى أن المتدربين يتلقون تشجيعاً واندماجاً مستمراً ويبدعون في العمل يوماً بعد يوم رغم الإصابة والجراح المؤلمة .
ويأمل المدرب الفلسطيني أن يحقق المشروع هدفه في تمكين الجرحى من افتتاح مشاريع خاصة بهم تبرز إبداعاتهم وتدمجهم في المجتمع .
مواصلة الطريق
وداخل ورشة الحفر اليدوي على الخشب انهمك الجريح سائد نبهان من جباليا شمال غزة في وضع اللمسات الأخيرة على قطعة خشبية أبدعتها كلتا يداه.
وأصيب نبهان بجراح متوسطة في قدمه نتيجة قصف (إسرائيلي) استهدف منزلهم ببلدة جباليا خلال الحرب على غزة فأصر على مواصلة طريقه ومشواره رغم ألم الجراح .
ويؤكد الشاب العشريني أن الاحتلال لن يستطيع من قتل روح الإبداع والتميز الوقادة في نفوس الشباب الفلسطيني.
ويوضح في حديثه لـ "الرسالة نت" أن برنامج "إرادة" لتأهيل جرحى الحرب مميز، منوهاً إلى أنه تغلب على إصابته ونمى قدراته الإبداعية .
ويطالب نبهان القائمين على المشروع الأول من نوعه في الأراضي الفلسطينية بعدم إهمال شريحة الجرحى ودعمهم المتواصل معنوياً واقتصادياً ومساعدتهم في تحقيق أحلامهم بفتح مشاريع خاصة.
بينما يؤكد مدير مشروع إرادة المهندس عماد المصري أن برامجه تهتم بفئة مهمشة في المجتمع الفلسطيني كفئة الجرحى وذوي الاحتياجات الخاصة.
ويقول المصري لـ"الرسالة نت" "نحاول عبر هذا المشروع دمج شريحة الجرحى في المجتمع عبر التدريب ولنجعلهم كأفراد مستقلين اقتصادياً معتمدين على أنفسهم".
ويشير مدير المشروع إلى أنه سيتواصل لفترات مقبلة في حال توفر التمويل اللازم لذلك .
ويضيف "معظم الحالات الملتحقة بمشروع إرادة إصابات بتر تسببت بإعاقات حركية وأخرى من ذوي الاحتياجات الخاصة".
وانتسب عدد من جرحى الحرب على غزة الملتحقين بالمشروع في برامج أكاديمية كدبلوم العلوم الإدارية والإرشاد النفسي ودبلوم إدارة مؤسسات المجتمع المدني ودبلوم نظم المعلومات وصيانة الجوالات والحواسيب وغيرها .
وتضم برامج "إرادة" سبع ورش حرف تشمل الرسم على الزجاج بكافة أشكاله والرسم اليدوي على الخشب والرسم على الخشب باستخدام الحاسوب وتنجيد الكنب ودهان الأثاث وأعمال نجارة اخرى.