في الذكرى السنوية الأولى لصفقة وفاء الأحرار يقفز السؤال الأهم إلى أذهان الفلسطينيين سواء في السجون أم خارجها حول الخيار الأجدى لاستكمال تحرير الأسرى الذين يمثلون القضية الحية والجرح الدامي لآلاف العائلات الفلسطينية.
ورغم حالة الإجماع الشعبي والفصائلي حول الجواب المرتبط بعملية أسرٍ وصفقة تبادل مع الاحتلال فإن استفهام الطريقة والتوقيت يشكل تحديا أساسيا ما يستدعي الإجابة عن السؤالين: متى تنفذ عملية الأسر القادمة لجنود الاحتلال؟، وكيف؟.
ويضاف إلى ذلك: إلى أي مدى استفادت المقاومة (تحديدا حركة حماس) من تجربة صفقة تبادل الأسرى التي امتدت مفاوضاتها على مدار خمسة أعوام؟.
من الوهم المتبدد إلى وفاء الأحرار
تلك السنوات الخمسة كانت قاسية بدءا من عملية الوهم المتبدد مرورا بالانتقام (الإسرائيلي) متعدد المستويات (العدوان العسكري والحصار والعزل) وما خلفه من ثمن وضحايا, ثم الصراع الاستخباري في ظل معادلة الاحتفاظ بالأسير (الإسرائيلي) على بعد أمتار من أقوى دولة أمنيا وعسكريا في الشرق الأوسط التي واجهت الإخفاق الأمني الكبير, ثم معركة مفاوضات الصفقة وصولا إلى إنجازها بالثمن الكبير وغير المسبوق للمقاومة داخل فلسطين.
ومع حجم الإنجاز الذي حققته حماس في الصفقة فإن حجم المسؤولية تضاعف وبات الحمل ثقيلا, فقد رفعت الصفقة سقف الطموح والأمل لدى الأسرى وذويهم حتى أضحى مطلبا أساسيا يطوق عنق المقاومة.
"السنوات الخمسة كانت قاسية بدءا من عملية الوهم المتبدد مرورا بالانتقام (الإسرائيلي) متعدد المستويات (العدوان العسكري والحصار والعزل) وما خلفه من ثمن وضحايا
"
الصفقة زادت بثمنها الباهظ للاحتلال في المقابل درجة الحساسية والحذر بل إن تكرار تجربة صفقة تبادل أخرى مع المقاومة تحول إلى خط أحمر بالنسبة للمستوى السياسي والأمني والعسكري (الإسرائيلي), ما يشير إلى حجم التحدي الذي تواجهه المقاومة اليوم من أجل استكمال مشروع تحرير الأسرى على طريقة "شاليط".
وليس سرا أنه حتى بعد أسر الجندي جلعاد شاليط بقيت خطط أسر جنود الاحتلال ومحاولات ذلك قائمة خلال مفاوضات الصفقة خصوصا عندما كانت تصل إلى طريق مسدودة, وكان هذا الخيار يأتي لحسم الصفقة بأسرع وقت وبأقل الخسائر, فكان عدوان الرصاص المصبوب 2008-2009 الفرصة الأكبر لتنفيذ علمية خطف إضافية تعزز موقف المقاومة, وجرت محاولات لم تكلل بالنجاح كشفت عن بعضها كتائب القسام.
هاجس الخطف لاحق الرصاص المصبوب
ويبدو أن الاحتلال كان يعي ذلك فرفع درجة الجهوزية لدى جنوده خلال العدوان لدرجة قصف طائراته مقاومين تمكنوا من أسر جندي وبالنتيجة قتله مع المقاومين.
وتشير بعض نتائج العدوان على غزة إلى أن التهديد بخطف جنود كان الهاجس الأكبر لدى قيادة جيش الاحتلال عندما فكرت بالانتقال إلى العملية البرية خلال العدوان, وقد اتبعت تكتيكات تحول دون خوض أي اشتباكات مباشرة مع المقاومين خشية وقوع عملية الأسر المحظورة.
"التهديد بخطف جنود كان الهاجس الأكبر لدى قيادة جيش الاحتلال عندما فكرت بالانتقال إلى العملية البرية خلال العدوان
"
وبعد نجاح صفقة وفاء الأحرار ومنذ اليوم الأول لخروج الأسرى كان سيناريو العملية القادمة يتردد في المستويات العسكرية والأمنية لدى المقاومة وحماس وجناحها العسكري على وجه الخصوص، كما كان لدى بعض جماعات المقاومة خطط جاهزة لتنفيذ هجوم يتضمن عملية أسر للجنود عبر سيناء ثم العودة إلى قطاع غزة على غرار عملية إيلات التي أسفرت عن مقتل 6 جنود (إسرائيليين) وإصابة أكثر من 25 آخرين في 3 هجمات استهدفت حافلتين وجيبا عسكريا بتاريخ 18-8-2011.
بميزان من ذهب
عند حماس تبدو خيارات عملية الأسر القادمة موزونة بميزان من ذهب: ميزان السياسة والحكم وثمن المواجهة مع الاحتلال.
ورغم هذه المعادلة الصعبة فإن قرار العملية القادمة شبه محسوم لدى الجناح العسكري للحركة، ولكن السؤال: كيف ومتى؟.
صفقة التبادل التي نجحت في مثل هذا اليوم أخرجت عددا من قيادات الحركة من سجون الاحتلال ومعظمهم يحملون وعدا في أعناقهم لرفاق الأسر من خلفهم بأن يدفعوا باتجاه تحريرهم في صفقة مماثلة رغم علمهم أن لذلك ثمنا باهظا لكنهم لا يعتبرونه يحول دون الذهاب حتى النهاية نحو صفقة جديدة.
أما الأسرى في السجون خصوصا أبناء حماس فبات عندهم السعي لتنفيذ صفقة تبادل مماثلة لصفقة وفاء الأحرار مطلبا أساسيا بل يرون أنه يجب أن يتحول إلى هدف رئيسي ومرحلي لدى القيادة السياسية والعسكرية في الحركة.
"خيار عملية خطف لجنود في الخارج يبقى محدودا إلا في حالة عودة التعاون العسكري الكامل مع حزب الله الذي يمكن أن تكون لديه قدرات عسكرية أكبر في هذا الجانب
"
خيارات القسام لعملية الأسر القادمة
وتبقى في سياق متصل حسابات قيادة كتائب القسام الأكثر توازنا ربما لأنها صاحبة القرار النهائي، وعليه يمكن توقع خياراتهم على النحو التالي:
* وضع أكثر من خطة وسيناريو لتنفيذ عملية أسر نوعية وإعداد كل مراحل العملية حتى تأمين الجندي الأسير مع الاستفادة من التجربة الغنية في الوهم المتبدد وما تلاها وصولا لتنفيذ صفقة وفاء الأحرار.
ولا شك في أن الوحدة القسامية التي أشرفت على أسر شاليط وتأمينه خلال خمس سنوات تحولت إلى نموذج ومدرسة على هذا الصعيد مع الأخذ بالاعتبار الاعتبار نتائج الإفادات التي أدلى بها شاليط خلال تحقيقات أجهزة أمن الاحتلال بعد إطلاق سراحه.
* في حال تم اختراق التهدئة وانتقلت المواجهة مع الاحتلال إلى مواجهة واسعة فإن خطط الخطف تخرج من الأدراج إلى حيز التنفيذ وتصبح ذات أولوية.
* عند إقدام الاحتلال على تنفيذ عمليات توغل واشتباك داخل أراضي قطاع غزة يجري استثمار ذلك لناحية تنفيذ عملية أسر لأن هذا يضع الاحتلال في موضع المسؤولية عن نتائج العملية بناء على أنها داخل أراضي قطاع غزة وبالنتيجة يكون مبرر العدوان أضعف.
* في حال أصبحت الحاجة ملحة يمكن الاعتماد على خطط استدراج قوات الاحتلال لتنفيذ عمليات محدودة خلف خط الهدنة في أراضي القطاع لتنفيذ عملية أسر مركبة.
* يستبعد في المرحلة الراهنة خيار تنفيذ عملية مركبة لأسر جنود عبر سيناء والعودة لقطاع غزة إلا إذا تغيرت الأوضاع كثيرا في منطقة سيناء وتحولت إلى منطقة عمليات لقوات الاحتلال على سبيل المثال.
* خيار عملية خطف لجنود في الخارج يبقى محدودا إلا في حالة عودة التعاون العسكري الكامل مع حزب الله الذي يمكن أن تكون لديه قدرات عسكرية أكبر في هذا الجانب، وعليه فإن هذا السيناريو مستبعد في الوقت الراهن نظرا للمواقف السياسية المختلفة لحماس وحزب الله من الأزمة السورية التي أثرت على تحالف إستراتيجي في مرحلة سابقة مكون من حزب الله وحماس بدعم من سوريا وإيران.
* سوف تعتمد الحركة أسلوب الغموض الإيجابي في هذا الجانب. حتى لو نجحت أي عملية أسر فإن الإعلان عنها بوضوح سوف يتأخر وربما يستمر لعدة شهور حتى يتم التأمين الجيد للأسير من جانب وتبريد ماكنة الحرب (الإسرائيلية) من جانب آخر.
كل هذه التوقعات تبقى رهينة معطيات الواقع السياسي والأمني، فرغم أنها ستستثني الضفة الغربية والقدس المحتلة فإن عنصر المفاجأة يبقى قائما, لأن فرص عملية الخطف من الضفة تبدو أسهل لكن الاحتفاظ بالأسير فترة طويلة مسألة غاية في الصعوبة غير أن هذا الخيار لا يمكن استبعاده من قاموس المقاومة خصوصا في حال طرأت تغيرات مهمة على ساحة الضفة المحتلة.