كم أتعبها الانتظار وأشقاها الصبر فغدت كزهرة ذابلة تريد من يرويها، لملمت أغراضها البسيطة وخرجت مسرعة من المنزل صوب الحاجز العسكري ووقفت علها تلمح من بعيد وجها يعيد لجسدها القوة ولقلبها البسمة هي ساعات ليست في قاموسها أقل من سنوات انتظار.
هذه الحال التي عاشتها والدة المحرر حسن الصفدي يوم الإفراج عنه كانت بمثابة المخاض الذي اختتم بولادة ناجحة، فكم صبرت على فراقه وكم عانت من بعده عنها في دوامة الاعتقال الإداري وظلم السجان، ولكن النصر كان حليفه بعد أن خاض معركة على طريقته الخاصة.
كرامة السجين
وكما تنبثق الشمس من بين غيوم سوداء خرج المحرر المنتصر الصفدي من بين أنياب المحتل، لم يملك سلاحا ولا حتى حجرا يقاوم به سجانه فلجأ إلى كرامة أذلت المحتل وقهرته، وهي أكثر من مئة يوم من الامتناع عن الطعام في زنازين الاحتلال كانت جديرة أن تجلب الحرية له، فصبر وضاقت به الحال حتى فُرجت وتكللت بنصر عظيم أعادت لجبال النار مجدها، ولكن بعد التحرر بقي قلبه يحترق على إخوة له يخوضون المعركة ذاتها.
ويقول المحرر الصفدي لـ"الرسالة نت" إن الذي اضطره لخوض معركة الأمعاء الخاوية لأكثر من 150 يوما هو تجبر السجان وظلم المحاكم "الإسرائيلية" التي تحاول فقط أن تبعد الأسير عن أهله وعائلته بتجديد الاعتقال الإداري المقيت، مبينا بأنه لم يجد خيارا آخر أمام كل هذه الأحقاد إلا أن يخوض الإضراب المفتوح عن الطعام.
ويوضح الصفدي بأن احتمالية الاستشهاد في السجون كانت واردة لديه ولدى الأسرى الذين أضربوا عن الطعام في الوقت ذاته، حيث أن التعب الجسدي والنفسي للأسير خلال هذه المعركة لا يوصف ولا يمكن أن يشعر به إلا من جربه.
وفي سياق حديثه لم يستطع المحرر إلا التطرق لقضيتي الأسيرين المضربيْن أيمن الشراونة وسامر العيساوي، لافتا إلى أنهما يتجرعان المرارة في اعتقالهما وخوضهما المعركة الصعبة، وأن السجان يحاول ابتزازهما والتضييق عليهما أكثر بممارسات مختلفة.
ويضيف:" السجان يحاول إلحاق الأذى الجسدي بهما عبر الاعتداء عليهما بالضرب بين الفينة والأخرى وممارسة التعذيب النفسي سواء بالتهديد أو التحقيق الخانق، وهذه السياسة يعرفها كل الأسرى وتعرضنا لها في محاولة لكسر إراداتنا ولكن الله كان معنا وتوكلنا عليه فمنّ علينا بالفرج".
ودعا الصفدي إلى إنهاء ما أسماها بحالة الصمت القاتلة والتضامن الخجول مع الأسرى، واستبداله بتعزيز الوقوف إلى جانب الأسرى المضربين ودعم صمودهم بتكثيف الفعاليات والضغط على الاحتلال عبر أي وسيلة.
حتى الحرية
سامر العيساوي كان اسما من بين ألف وخمسين أسيرا وأسيرة كللته القدس بتاج الغار حين استقبلته محررا قبل عام، ولكن أزقتها عادت لتشكو ظلم المحتل بإعادة اختطافه ومحاولة فرض الحكم السابق لثلاثين عاما عليه مرة أخرى فثار على طريقته وخاض معركة الكرامة.
ويوضح رئيس لجنة أهالي أسرى القدس أمجد أبو عصب لـ"الرسالة نت" بأن الأسير العيساوي يعاني من أمراض عدة وأوجاع شديدة في الكلى وآلام مبرحة في الرأس ويتقيأ دما منذ فترة، لافتا إلى أن حالته الصحية في تدهور متسارع بعد خوضه الإضراب لأكثر من 90 يوما.
وطالب أبو عصب الجانب المصري إلى العمل بكل جدية من أجل الضغط على الاحتلال كي يفرج عن الأسرى ممن أفرج عنهم في صفقة وفاء الأحرار، مضيفا بأن عائلاتهم تعيش أوضاعا صعبة تؤثر أيضا على إخوانهم المحررين في الصفقة حيث باتوا يخشون من إعادة اعتقالهم لأن الاحتلال معروف بنكثه للوعود والاتفاقيات.
وفي أقصى جنوب الضفة ما زالت عائلة المحرر الذي أعيد اختطافه أيمن الشراونة تتتبع أخباره من محاميه وتدعو الله أن تختم معركته بنصر مشابه، وفي الآونة الأخيرة تدهور وضعه الصحي بعد أكثر من 120 يوما من الإضراب عن الطعام وهدد بخوض الإضراب عن الماء.
ويقول شقيقه جهاد لـ"الرسالة نت" إن الأسير يعاني من وضع صحي متدهور ويتقيأ دما ويعاني من آلام في ساقه وكليته، وأن الاحتلال يمنع عائلته من زيارته ويرفض الإفراج عنه ويساومه بالإبعاد عن الضفة وهو الأمر الذي يرفضه كليا.
ويضيف:" أملنا بالله كبير وندعو الله أن يفك كربه وأسره وأن يعيده بيننا سالما غانما منتصرا كما حصل مع الأسرى الذين من قبله خضر عدنان وبلال ذياب وحسن الصفدي".