لم تكن تتوقع عائلة حرارة أن تكون على موعد مع مراسم عزاء جديدة لشبلين ارتقيا شهداء، ضحية قذيفة إسرائيلية أطلقتها دبابة متمركزة على الحدود الشرقية لقطاع غزة.
وتقطن العائلة في حي الشجاعية شرق غزة، وكانت انتهت من مراسم تجهيز بيت عزاء لأحد الأقارب الذي وافته المنية بدولة الكويت.
صباح الأحد وتحت قطرات المطر الخافتة, ووسط تأهب الأقارب والأحبة لإلقاء النظرة الأخيرة على أبناء العم أحمد ومحمد, كانت" الرسالة نت" على موعد مع رسم ملامح الأسى والحزن على فراق عائلة مصطفى حرارة التي فقدت نجلها أحمد ذي الثامنة عشر ربيعا.
ثبات
مجرد ما أن وصلت" الرسالة نت" إلى بيت حرارة الذي عُلِّق على جدرانه رايات المقاومة الفلسطينية, وحوله جموع غفيرة من أقارب الشهيد استقبلنا جد الشهيدين المختار نوفل وهو يردد عبارات" احنا صامدين وصابرين حتى لو بدو يستشهد منا ألف, عائلة حرارة قدمت منذ عام 1956م وحتى اليوم تسعة وعشرون شهيدا, وهي مستعدة للتضحية والفداء لأجل الوطن".
المختار نوفل الذي فقد نجله محمد في قصف (إسرائيلي) في التاسع من آذار/ مارس العام الحالي أخذ يسرد تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في شارع المنطار بمنطقة الشجاعية.
وقال: "بعد صلاة العصر وأثناء استقبالنا للمعزين في ديوان آل حرارة سمعنا صوت انفجار هز المنطقة بأكملها, وبعد ثوان قليلة أخذت قذائف الدبابات تنهال علينا, وقتها لا أعرف ماذا أفعل بعد أن شاهدت أشلاء ممزقة أمامي ودماء متناثرة هنا وهناك, بدأ كل من لديه سيارة أو توك توك بنقل المصابين إلى المستشفى وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة".
صمت السبعيني نوفل قليلاً ثم أخذ يضرب كفيه ونظراته تشخص نحو السماء الملبدة بالغيوم داعيا ربه أن يتقبلهم في عليين, ويلهم أهله الصبر والسلوان: "آآآخ يابنتي والله الفراق صعب, هذا حال الدنيا مش طالع بإدينا غير نحتسب لواحد أحد ما إلو ثاني".
انتهى الحديث مع المختار نوفل بعد أن صعد معي إلى منزل الشهيد أحمد لكي تبدأ جولة ثانية مع أمه المكلومة, دخلت" الرسالة نت" صالون البيت الذي يعج بالنسوة اللاتي يرددن" الله ينتقم منهم, شو ذنبهم أطفال لا حاملين صواريخ ولا شي", أخذت أسترق النظرات وأبحث هنا وهناك عن أم الشهيد, وقتها أشارت لي إحدى النسوة بإصبعها عن مكان أم أحمد.
فاجعة
جلست بجانبها وقد بدت علامات الحزن والفراق سيدة الموقف لديها وهي تحتضن صورة أحمد وتضمها بين الفينة والأخرى إلى صدرها, حيث قالت في بداية حديثها بعد إلحاحها وشحنها بمزيد من عبارات الصبر والثبات:" قبل يومين كان عيد ميلادو يما ياحبيبي, وبشد حيله للدراسة عشان يحصل على معدل عالي في الثانوية, صبرني يا رب".
بدأت تشعر بالانهيار بمجرد أن نطقت تلك الكلمات وبعد خمسة عشرة دقيقة صمت مدفوعة بدموع عاودت الحديث مرة أخرى:" كان على مكتبه يدرس للامتحان النصفي, وفجأة لما سمع صوت قصف قريب منا, نزل يتفقد, أخذت أنادي أحمد, أحمد, وين رايح يما, تعال شوف دراستك ولا تهتم" وهو يرد: "لا تقلقي يما هيني واقف عند الباب".
أكثر من مرة والحديث ينقطع بيني وبين الأم التي تتلقى التعازي بفقدان فلذة كبدها من جاراتها وأقربائها, لتعود من جديد تتحدث عن ابنها البار والمطيع أحمد مضيفة": حلمه يكون دكتور الغالي, لكن إن شاء الله سوف يتحقق طموحه وأخلي أخوه من بعده يدرس الطب".
إحساس الأم
سمعت الأم أصوات سيارات الإسعاف واحدة تلو الأخرى تمر من أمام منزلها, وكأن شيئا حدثها في نفسها أن ابنك أحمد لن يعود, نزلت مهرولة إلى الشارع وتسأل عن أحمد ولا مجيب, أخذت تتصل على هاتفه الشخصي؛ لكن دون رد.
بعد ثواني معدودة جاءها خبر أن ابنها مصاب بقدمه وحالته مستقرة, صرخت وقالت:" أحمد استشهد", ذهبت مسرعة إلى مشفى دار الشفاء لترى بعينيها أن أحمد ذهب شهيدا ولن يعود".
في غرفة أحمد المعلقة على جدرانها المتآكلة شهادات تقدير وتفوق تشيد بالمتميز علميا وأخلاقيا بدأ صوت صراخ تقشعر له الأبدان لطفلتين لم تتجاوزا العاشرة من عمرهما الأولى تقول": أحمد مين بدو يساعدني بحل أسئلة الرياضيات, والأخرى تقول:" وصلاة الفجر ياخو مين بدو يصحينياااا", نعم هو صراخ شقيقتي أحمد اللتين لم تفوقا حتى الآن من هول الفاجعة التي أحلت بشقيقهم الحنون أحمد، كما كن ينادينه.
شاءت الأقدار أن يستشهد أحمد في نفس المكان والوقت بعد ثمانية أشهر من استشهاد عمه محمد أحد القادة الميدانيين لسرايا القدس.
عدت من جديد لأتحدث مع أم أحمد إلا أن صوتا من بعيد يشير أن موعد القاء النظرات الخاطفة على أحمد قد حان, أخذت الأم تصرخ وتبكي وتدعو الله أن يصبرها على فراق الغالي وتقول: "وسعوا المكان لأحمد, اليوم عرسك يما".
وصل أحمد محمولاً على الأكتاف وسط رصاصات علها تطفئ نار الحزن قليلا, وشعارات تنطلق من حناجر غاضبة تطالب المقاومة الفلسطينية بالانتقام, ودَّعه الأهل والأحبة بزغاريد ممزوجة بالدموع, وكلهم أمل بالثأر القريب.