اتركوا النملة تعمل

مصطفى الصواف    

يحكى أن نملة كانت تعيش في قديم الزمان في غابة تحتاج إلى جهد وإعمار، وأخذت النملة على عاتقها العمل بجد واجتهاد على مدار الساعة ولم تتوان، وكانت حديث أهل الغابة، رغم جسدها النحيل وخطواتها المتثاقلة؛ إلا أنها أنجزت عملا لفت أنظار ملك الغابة وحاشيته، ولم يرق لهم هذا النجاح، وأرادوا أن يضعوا حدا لحديث الغابة عن النملة وإنجازاتها، فاجتمع أهل الحل والعقد وتدارسوا الأمر، وخلصوا إلى قرار بتعيين سكرتير للنملة حتى ينظم لها عملها، ولكن لم يحد هذا القرار من نشاط النملة وزادت، وزاد مع جدها قلق ملك الغابة ومجلسه الموقر، وقرروا تشكيل لجنة مساعدة إلى جانب السكرتير من ثلاثة كبار وكلفوا كل واحد منهم بمهمة من المهام المساندة حتى تنتج النملة مزيدا من العمل؛ ولكن النتيجة كانت تعطيلاً للعمل، لا تركوا النملة تعمل، وعرقلوا العمل ولم يعملوا، فدب النزاع وتعمق الخلاف، وتوقف العمل عند الحد الأول له، وحرصاً على بقاء الإنجاز، فكرت النملة كثيرا، هل تستمر في الخلافات والمناكفات، أو تترك المكان، فكان القرار، أن سلام عليكم طبتم، ولكم مني سلام، ورحلت النملة إلى غابة مجاورة لتواصل قناعتها وعملها.

قصة النملة وملك الغابة، تصلح لكل زمان ومكان، المخلصون كثر، والمتفانون كذلك؛ ولكن أعداء النجاح أكثر، ولا يروق لهم أن يسير العمل كما يجب أن يكون، ويحقق نجاحات وتقدماً وفق التخطيط المرسوم بل أكثر وأكثر، وهذا يجعلنا نطرح سؤالا مشروعا إلى أصحاب التفكير المعيق للعمل؟، إذا كان العمل يسير على خير ما يرام، وان هناك خوفا على المصلحة العامة، والأمر في أيدي أمينة من كل النواحي وجاهزة للتقويم والتعديل والمراقبة الإدارية والمالية، أليس هذا هو الأهم؟ أم أن الأمور لا تروق لهم ويرون أن النجاح في غير صالحهم حبا منهم في الظهور أو فرض الذات بلا هدف، وبلا وعي ، مما يعطل العمل ويشوش التفكير من أجل التطوير والمضي قدما.

أمثال هؤلاء لا يتوقف عملهم على التعطيل، بل يمارسون هواية التشويه والتضليل، ويكذبون، حتى يؤلبوا الآخرين ويعطوا صورة سيئة عن العمل، ويقللون من النجاح، ويرمون الناس بما ليس بهم، كل ذلك حتى يظهروا أمام الآخرين أنهم الأحرص على المصلحة، وهم لا يدرون أنهم يعطلون المصلحة، ويوقفون تطورها، فيخربونها ثم يجلسون على خرابها، سياسة يواصلونها طالما كانوا في مكانهم، وهذا التخريب الذي يمارسونه لا يظهرونه للآخرين، ويزينون ما يفعلون، ثم بعد حين تظهر الأمور على حقيقتها؛ ولكن بعد فوات الأوان، أو كما يقولون ( بعد خراب مالطة).

دعوا النملة تعمل ولا تعطلوها، واتركوا عملية البناء تسير، راقبوها وقيموها واسدوا لها النصائح، ولا تتدخلوا في سير عملها فهذا ليس مجالكم ولا علاقة لكم به، فكثير من المؤسسات مرت بمراحل نجاح وتقدم وعندما تدخل هواة التخريب كلسوها ثم شلوها، ثم أغلقت أبوابها، كل ذلك نتيجة عقليتهم التي تجد في نفسها الوصي والتي تريد أن ينسب لها النجاح وهي لا تعمل وتريد أن تكون في كل شيء وفوق كل شيء وهي لا تعمل وغائبة عن الفعل ومكان الفعل.

يجب أن نقف مليا والتفكير في الأمور والأحوال، وأن لا نأخذ كلام الآخرين على أنه الحقيقة دون أن نتحقق وأن نستمع إلى كل وجهة نظر، لا أن نصدر أحكاما استنادا إلى حقائق مزيفة وخداع لتشويه صورة الآخرين، فالحقيقة مهما حاولنا طمسها ستظهر ولو بعد حين.