رغم انتهاء الحرب على غزة بعد الإعلان عن التهدئة بين فصائل المقاومة الفلسطينية والحكومة (الإسرائيلية) فإن رائحة الدماء لا تزال تفوح من شوارع القطاع الذي تعرض لقصف همجي على مدار ثمانية أيام, كما إن مشاهد الدمار والخراب لا تزال حاضرة وتعيد للأذهان أياما وليالي قاسية قضاها الغزيون وهم يلملمون أشلاء أطفالهم ونسائهم منتظرين أن يلقوا المصير نفسه في أي لحظة.
وكشفت تقارير حقوقية عن حجم الخسائر البشرية والممتلكات والمنشآت المدنية, فبلغ عدد الضحايا (166) شهيدا منهم (37) طفلا و(13) امرأة ونحو (1060) جريحا جميعهم من المدنيين إلى جانب عشرات آلاف المهجرين والنازحين, كما طال القصف نحو ألف منزل وبناية سكنية ومئات المباني العامة إلى جانب مئات العمارات التي تضررت جزئيا.
مسؤولية السلطة
ويرى حقوقيون دوليون ضرورة التركيز على التوجه للمحاكم التي تجيز في قوانينها محاكمة مجرمي حرب دون إشتراط ذلك بصلة خاصة للدولة.
وأكد محامي مؤسسة الضمير لحقوق الانسان في قطاع غزة سامر موسى في هذا السياق أن جميع المؤسسات الحقوقية بدأت العمل على فضح جرائم الاحتلال وتوثيقها تمهيدا لطرحها أمام مؤسسات حقوق الإنسان الدولية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه التي ارتكبها في الحرب الأخيرة على غزة.
وبين موسى أن مؤسسة الضمير بدأت المرحلة الأولى من فضح جرائم الاحتلال، "وهي جمع الشهادات والروايات ممن تعرضوا لجرائم حرب أو كانوا شهود عيان عليها", لافتا إلى أن العمل هذه المرة مبني على الخبرة التي اكتسبها الحقوقيون من حرب 2008, "فتبنى ملفات قانونية تنسجم تماما مع التحقيقات التي من المفترض أن تجري لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم من قادة الاحتلال".
وأوضح أن المرحلة الثانية من العمل تكمن في البحث عن محاكم تكون موافقة أو صاحبة اختصاص لمحاكمة مجرمي الحرب (الإسرائيليين).
وشدد المحامي على أن المؤسسات الحقوقية في غزة أو أي مكان آخر يبقى دورها تكميليا في حين أن الدور الأساسي والمسؤولية الأولى تقع على عاتق الحكومة الفلسطينية في غزة أو الضفة, "لذلك يجب تفعيل دورهما في هذا الجانب اتجاه الشعب الفلسطيني والضحايا الذين سقطوا في العدوان".
"موسى: جميع المؤسسات الحقوقية بدأت العمل على فضح جرائم الاحتلال تمهيدا لمحاسبة الاحتلال على جرائمه التي ارتكبها في غزة
"
وتابع موسى: "نتوقع مع التصويت المرتقب للدولة الفلسطينية اليوم الخميس أن يتحسن الوضع الفلسطيني في المؤسسات الدولية وأن تزاح معوقات كثيرة كانت تواجه السلطة والمؤسسات الحقوقية, وهكذا سيكون بإمكان السلطة أن تطالب بإجراءات لمحاسبة المجرمين".
وواصل: "على منظمة التحرير باعتبارها حركة تحرر أن تتقدم بطلب سريع للجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة لاهاي الدولية تطالب فيه بالتحقيق مع كل القيادات (الإسرائيلية) المسؤولة عن الجرائم التي ارتكبها جيشها في قطاع غزة".
وذكر أن الضمير تحاول أن تنشر معلومات دقيقة حول الجرائم التي ارتكبها الاحتلال في غزة بالجهد الإعلامي الذي تبذله، "ومراسلة الجهات الدولية المعنية خاصة مجلس حقوق الإنسان", مشيرا إلى أن مؤسسته بعد أسبوعين من الآن ستنشر دراسة معمقة أجرتها حول كيفية محاسبة الضحايا الفلسطينيين مجرمي الحرب الصهاينة أمام القضاء الفلسطيني, "وذلك بموجب انتهاء المادة 17 من اتفاقية أوسلو التي انتهت عام 1997 وانسحاب الاحتلال من القطاع عام 2005".
وشدد على أن إفلات (إسرائيل) من العقاب على الجرائم والمجازر التي ارتكبتها عام 2008 شجعها على ارتكاب مزيد من الجرائم في الحرب الأخيرة, "فهي اعتادت أن ترتكب ما تشاء من جرائم باعتبار أنها محصنة من المساءلة", لافتا إلى أن المسؤولية الكبيرة تقع على من عطل مفهوم المحاسبة من الدول الكبرى، "بالإضافة إلى من سمح بالتأجيل ثم سحب تقرير غولدستون الذي يجب تفعيله بصورة عاجلة".
وأوضح أنه يجب على المسؤول عن تعطيل تقرير غولدستون تفعيله بصورة عاجلة، "وهي ممثلية فلسطين في الأمم المتحدة", مطالبا بضرورة تفعيل المسألة الجنائية.
تغطية جرائمها
وتحرم معاهدة جنيف الرابعة تنفيذ عمل عسكري يؤدي إلى مقتل المدنيين الأبرياء خلال الحروب.
وفي هذا الجانب، أكد سمير زقوت الباحث الميداني في مركز الميزان لحقوق الإنسان أن جميع الدلائل والوثائق والروايات التي وثقها طاقم المركز تشير إلى أن 90% من الضحايا الشهداء والجرحى من المدنيين ليس لهم علاقة بفصائل المقاومة وخارج دائرة الصراع العسكري، "كما إن غالبية المباني والمؤسسات التي استهدفها القصف ودمرها لم تكن عسكرية وليس لها علاقة بالمواجهات".
وشدد زقوت على أن الرواية (الإسرائيلية) التي تروج للمجتمع الدولي كاذبة، "فدولة الاحتلال تقول إن العمليات العسكرية تمت بموجب المعايير الدولية التي تنسجم مع مبادئ القوانين الدولية بتأمين حماية المدنيين وعدم استهدافهم، وإن عملياتها جرت في إطار ما تسميه الدفاع عن النفس من الفصائل المسلحة".
"زقوت: جيش الاحتلال ارتكب خلال عدوانه مخالفات دولية تشكل جرائم حرب وفق معايير القانون الدولي الإنساني والجنائي
"
وبين أن الصمت الدولي وتحصين (إسرائيل) من العقاب وعدم تطبيق توصيات تقرير "غولدستون" بمحاسبة القيادة (الإسرائيلية) السياسية والعسكرية على الانتهاكات وجرائم الحرب التي ارتكبوها خلال عملية "الرصاص المصبوب" حفز جيش الاحتلال على التمادي وارتكاب مزيد من الجرائم والانتهاكات خلال العدوان الأخير لقناعته بوجود من يغطي على جرائمه.
وأوضح زقوت أن جيش الاحتلال ارتكب خلال عدوانه مخالفات دولية تشكل جرائم حرب وفق معايير القانون الدولي الإنساني والجنائي، "وتحديدا ما تمثل بالعدوان المتواصل ليلا نهارا على المدنيين وغير المدنيين دون تمييز، والاستعمال المفرط للقوة العسكرية وأسلحة الدمار، والقصف من البر والبحر والجو على مناطق سكنية مكتظة، واستهداف المنشآت المدنية والبيوت الآمنة بمن فيها من أطفال ونساء قضوا تحت الأنقاض".
وقال: "رغم توفر الأرضية الحقوقية للعمل على فتح تحقيق دولي رسمي ضد المتورطين بهذه الانتهاكات فإن الإشكالية تكمن في المصالح والاعتبارات السياسية التي تحكم مجلس الأمن الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والأخيرة غالبا تستغل نفوذها الدولي وتضغط على الهيئات الدولية لمنع فتح تحقيق رسمي بالحرب كما جرى في حرب عام 2008".
وكان عدد من منظمات حقوقية في الداخل الفلسطيني من بينها مركز "عدالة" ومؤسسة "ميزان" لحقوق الإنسان بالناصرة قد تحركت بالتنسيق مع جمعيات حقوقية من القطاع لفتح ملف العدوان على غزة داخل أروقة القضاء والمؤسسات الحكومية بـ(إسرائيل).
وأبرقت منظمات الداخل الحقوقية للمستشار القضائي للحكومة (الإسرائيلية) يهودا فاينشتاين والمدعي العسكري العام العقيد داني عفروني مطالبة بفتح تحقيق جنائي ضد قيادة الجيش بشبهة ارتكاب جرائم حرب، مطالبة الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق في سير العمليات العسكرية خلال العدوان.