قائمة الموقع

الام الجمال ..ودعت ثلاثة من أبنائها بتضحية وصمود

2010-01-25T12:29:00+02:00
أم فلسطينية تفقد ثلاثة من أبنائها

غزة - أمل حبيب- الرسالة نت

في حي الشجاعية شرق مدينة غزة توجهت " الرسالة " لمقابلتها في بيتها المفعم برائحة التضحية والجهاد.. صور أبنائها كانت أول من استقبلنا على جدران المنزل وكأننا نقلب في صفحات البوم صور لأبطال ضحوا بأرواحهم في سبيل الله مازالت آثارهم عالقة بالمكان.. وكأن أرواحهم تحلق في أرجائه لتطمئن والدتهم حينا ولتتفقد الأحبة حينا آخر...

هي الخنساء أم منير الجمال التي فقدت ثلاثة من أبنائها خلال نكبات متفرقة على القطاع المحاصر وكان آخرها خلال الحرب على غزة ...

بداية رحيل الأعزة

لم تدر الحاجة أم منير من أين تبدأ بسرد قصص استشهاد أبنائها الثلاثة فشريط ذكرياتها مليء بالآلام والصبر والرضا بالقضاء والقدر .

ترجع الأم الجمال بالزمن للوراء وبالتحديد لأواخر صيف 2006 عند إصابة ابنها مدحت 23 عاما أثناء تصديه لاجتياح منطقة الشعف في حي التفاح وتقول :" بعد سماعي لخبر إصابته توجهت للمستشفى لأراه وكانت حالته خطيرة فتم نقله على مصر لتلقي العلاج ولكنه بعد شهرين من العلاج عاد محمولا على الأكتاف ".

رغم الوضع الصحي السيئ لمدحت كان دائم السؤال عن ابنته أسيل التي رزقه الله بها يوم إصابته وهي آخر ما أوصى به أخته قبل سفره للعلاج .

كان جميع الأهل يحاولون إخفاء نبأ استشهاد مدحت عن الأم التي تعاني من الضغط والسكر وانسداد الشرايين خوفا على صحتها ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

فأثناء أداء أم منير لصلاة التراويح قدمت إحدى الجارات واجب العزاء لها بابنها الشهيد فتفاجئت الثكلى وانهمرت دموعها وهي لا تدري كيف تطمئن على ابنها.

وعندما سألت أبناءها عن صحة الخبر طمأنوها بأنه بخير.. ولكن يبقى قلب الأم دليلها فلقد أحست بأنها ستفقد احد فلذات كبدها .

واليوم تداعب الجدة حفيدتها أسيل ابنة الثلاث أعوام والنصف وتقول :" الحمد لله كان بدر منور لما قبلته وزغرتلو وودعته " ثم تقطع الدموع كلماتها فتهون عليها كلمات ابنته أسيل : " بابا بالجنة .. مبسوط ".

أسيل التي لم تر والدها إلا صورا معلقة على حائط غرفتها عندما تحتاج شيئا يخصها كطفلة تتوجه إلى صورة والدها وتقول له :" بابا ابعتلي مصروف بدي اشتري حاجة "

لسان حال الطفلة أسيل هو حال معظم أطفال فلسطين الذين حرموا من أن يقولوا " بابا " بسبب طغيان الاحتلال الصهيوني . 

تجدد الرحيل والصبر

الصدمة الكبرى لأم منير كانت عند استشهاد ابنها البكر منير بعد مدحت بثمانية أشهر وتقول الحاجة الجمال :" كان أحب إخوته إلى قلبي فلقد كان بارا بي وبوالده المريض وحنونا على إخوته ولا يذهب إلى العمل حتى يسلم علي وعلى والده ويسأل عما نحتاج "

ربيع عام 2007 لم يكن بتفتح الزهور وهبات النسيم العليل بالنسبة لعائلة الجمال فكان موعدها مع استشهاد منير أحد مجاهدي وحدة التصنيع في كتائب القسام وتقول والدته :" قبل استشهاده بساعات كان بيننا يساعد والده المقعد على الاستحمام لصلاة الجمعة وصار يغنيلوا     ياعريس مبارك حمامك ...وأمي بترقص قدامك وصار يمازحنا ويضحك ".

وكأن إحساس الشهيد بقرب ارتقائه إلى العلا هو ما دفع منير للجلوس مليا مع والديه ليمزاحهما.

وتضيف أم منير حديثها للرسالة عن الجلسة الأخيرة مع بكرها :" سأل منير والده المسن: عارفني مين أنا ؟ فرد عليه والده : انت الحلو.. فمد يده ليسلم على والده وكأنه السلام الأخير بينهما " .

وأصر منير على تناول طعام الغداء الأخير بين أبنائه وزوجته ليودعهم وانطلق لأداء مهمة جهادية فأصيب خلال قصف إسرائيلي استهدف الحافلة التي كان يستقلها مع رفاقه المجاهدين فعندما سمعت أم منير بالخبر على التلفاز وشاهدت القصف بدأت تردد:" الله يساعد أمه ويعوض عليها بالخير " لم تدرك لحظتها أم منير بان الدعاء موجه لها.

وفقدت أم منير ابنها الثاني بصبر واحتساب قائلة :" اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها "ولكن الحاج أبا منير لم يستطع العيش بدون بكره منير فالتحق به بعد شهرين .

مشوار جهادي

ممدوح الجمال (أبو زكريا ) وهو الابن الثالث الذي فقدته الأم خلال حرب الفرقان ولعل حياته وسط أسرة مجاهدة مهدت له الأجواء لأن يعيش حياة المجاهدين والشهداء، فقد قدمت عائلته اثنين من الشهداء. 

عمل أبو زكريا منذ صغره في مهنة البناء، وعند قدوم السلطة الفلسطينية إلى أرض الوطن عمل في صفوف الشرطة الفلسطينية آنذاك، وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة استقال من عمله في الشرطة واقتصر عمله في صفوف كتائب القسام, ودرس في جامعة الأزهر في كلية الحقوق، وأنهى دراسته في وقت قياسي بسبب تفوقه واجتهاده .

أوضحت أم منير بأن ابنها ممدوح ومنذ نعومة أظفاره كان يرفض الخضوع للاحتلال فتتذكر إحدى المواقف قائلة:" كان يرمي حجارة على اليهود وهو صبي صغير ثم انهمرت دموعها حتى بدأ صوتها يختفي تدريجيا وهي تنظر إلى صوره المعلقة أمامها .

وتتابع :"من أصعب المواقف التي مرت عليه هي يوم استشهاد أخيه مدحت ، حيث كان أبو زكريا خارج الأراضي الفلسطينية ولم ير أخيه مدحت أو يودعه .

انتمى أبو زكريا إلى صفوف كتائب الشهيد عز الدين القسام في العام 1993م وقام بالعديد من الأنشطة الجهادية والعسكرية التي لم يفصح عنها نتيجة كتمانه الشديد، ، كما عمل في صفوف جهاز "الأمن العام" التابع لحركة حماس، ومن ثم أصبح عضوا في كتائب القسام، وعرف عنه حبه الشديد للجهاد في سبيل الله حتى قبل انتمائه للكتائب, لأنه أدرك أن الجهاد في سبيل الله هو الطريق الأقصر لاسترداد كامل التراب الفلسطيني المغتصب.

وخلال مسيرته العسكرية كان أبو زكريا مدربا للمجاهدين في صفوف كتائب القسام نظرا لخبرته في تدريب أفراد الشرطة الفلسطينية القديمة، ولكنه وعلى الرغم من ذلك تلقى دورة أمنية ودورات عسكرية إلى جانب دورات في إطلاق الصواريخ على مواقع العدو الصهيوني، كما تلقى دورة مكثفة في فنون التصنيع العسكري وإلى جانب ذلك فقد كان صاحب نظرة ثاقبة وفكر بارز في هذه العلوم العسكرية،.

وتدرج في عمله الجهادي في القسام  حتى أصبح مسئولا وقائدا لوحدة التصنيع ومن ثم تكليفه قائدا لكتائب القسام في حي تل الإسلام حتى استشهاده.

وفي الفرقان نصيب

في الثالث من يناير من العام 2009م، كان أبو زكريا على موعد مع الشهادة عندما كان مرابطاً في منطقة تل الإسلام التي كان يشرف فيها على قيادة مجموعات كتائب القسام خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، حيث استهدفته طائرات الاستطلاع الصهيونية بصاروخين، أديا إلى استشهاده على الفور، لينهي بذلك حياة ملؤها الجهاد والعطاء

استشهاد الابن الثالث للحاجة أم منير لم يزدها إلا صبرا واحتسابا لوجه الله مدركة ذلك بقولها:" لو كل أم خافت على أبنائها ومنعتهم من الجهاد في سبيل الله فستضيع القضية والهوية , وتضيف وفي عينيها بريق الصمود والصبر :"إحنا صامدين مرابطين على ارض الوطن ومهما فقدنا من فلذات أكبادنا سنواصل التضحية والصمود".

 

اخبار ذات صلة