الشراهة لما جَلَبت الوفود من المتاع والنقود بعض السِّرِّ لما جَلَبتْ عليهم من السفاهة

د. يونس الأسطل

 ( أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا، وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقَالُوا: لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (

( القصص : 54، 55 )

     لازالت قوافل التضامن والإغاثة مصرةً على تّجّشُّم وعثاء السفر، رغم تَجَهُّمِ بعض الأنظمة لهم؛ ليصلوا إلى قطاع غزة، وهو حلم يراود الملايين؛ فإن غزة اليوم أضحت مهوى الأفئدة، ذلك أنها من أكناف بيت المقدس، وفيها الطائفة المنصورة التي لن يَضُرَّها من خالفها، ولا من خذلها حتى يأتي أمر الله، وقد ثبت ذلك عملياً في السنوات الأخيرة منذ عام 2005م، حيث لم تعد ( نتساريم ) أو جنوب غزة كتل أبيب، أو تل الربيع كما زعم (شارون)، فقد أخرجْنا المستوطنين المحتلين منها أذلةً وهم صاغرون، وكان من بعدها الحسم السياسي، ثم العسكري لمشروع الاحتلال، وهو نشر الفوضى والفلتان، بل والقتل على اللحية والهوية.

     ولعل أكثر ما شَدَّ الأنظار إلى غزة هو الصمود المعجز في وجه حربٍ عالميةٍ قد شُنَّتْ علينا قبل عام أو يزيد، فقد أمكننا الله جل جلاله من التصدي لهم، فأخزى الله الصهاينة ومن وراءهم عرباً وعجماً، إذْ كانت تقديرات الأحزاب المتواطئة في العدوان أننا لن نصمد أكثر من ثلاثة أيام، وعلى رأس الأسبوع يكونون قد فَرَغُوا من الجَوْسِ خلال ديارنا، فريقاً يقتلون، ويأسرون فريقاً.

     أَمَا وأن أهل غزة قد أفشلوا أهداف العدو فقد صاروا في نظر أمتهم وشعوبهم، وأحرار العالم، خيرةَ العالمين، ولا يجوز بحال أن يظلوا تحت الحصار، وفي الجوع والخوف، أو في العزلة السياسية، محرومين من السفر، أو من الحصول على الحاجيات التي أوقعنا فَقْدُها في حرجٍ شديد.

     وقد رأينا كيف تحتمل القوافل مسيرة شهر، ثم تصبر على عرقلتها مدة شهر آخر في بور سعيد، وتظل مصرة على كسر حصارنا، وإيصال ما تيسر من المساعدات، مع أن بعضها قد اضطر، وهو على مسيرة ساعات، أن يعود أدراجه من العقبة بجنوب الأردن إلى اللاذقية؛ لينقلوا صدقاتِهم عبر البحر إلى ميناء العريش، وأن يرتحلوا هم بالطائرة، وقد كلَّفهم ذلك زيادة ثلاثة أيام، وأكثر من ثلاثمائة ألف دولار، ولم تقف معاناتهم عند هذا الحدِّ، إذْ أُريد في العريش أن يعاقبوهم، وأن يُشَرِّدوا بهم مَنْ خلفهم، فقد وجدوا أنفسهم محاصرين بألف من الجند مُدَجَّجين، وما هي إلا لحظات، حتى صار العشرات مسربلين بدمائهم، وقد وصلوا إلينا ورؤوسهم معصوبة، أو عُلِّقَتْ بعض أيديهم إلى أعناقهم من أثر الضرب المبرح، ولم يُهَوِّنْ مصابهم إلا ظفرهم بزيادة أرض الرباط، ورؤية المقاومة التي تمثل ذروة سنام الإسلام.

     أما آيات القصص فتحكي قصة وَفْدٍ قَدِمَ من الحبشة؛ ليخفف الحصار عن المؤمنين المستضعفين في مكة، وليسمع كلام الله، وقد اخْتُلِفَ في عددهم بين اثني عشر رجلاً، أو عشرين، أو خمسين، أو سبعين، وهل كانوا بقيادة جعفر بن أبي طالب شهيد مؤتة رضي الله عنه، أو لم يكن معهم، ولا يعنينا تفصيل ذلك، إنما يهمنا أنهم كانوا من النصارى، فلما جلسوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكَلَّموه وسألوه، ثم دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن، إذا بأعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، فأمنوا وصَدَّقوا، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفرٍ من قريش، فقالوا لهم: خَيَّبكم الله من ركبٍ، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم، لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركباً أحمقَ منكم – أو كما قالوا لهم – فما كان جوابهم إلا أن قالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَأْلُ أنفسنا خيراً، وفيهم نزلت هذه الطائفة من آيات القصص، وكذلك آيات المائدة التي تنعتهم بأنهم أقرب مودةً للذين آمنوا، فلما أسلموا أثابهم الله بما قالوا جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء المحسنين. الآيات (82- 84).

     إن آيات القصص قد امتدحت ذلك الوفد بأنهم آمنوا بمجرد سماعهم القرآن، وشهدوا أنه الحق من ربهم، وأنهم كانوا من قبله مؤمنين، فلما آمنوا به استحقوا أن يُؤْتَوْا أجرهم مرتين؛ فقد آمنوا بنبيهم، ثم آمنوا بنبينا عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وزادهم مدحاً بأنهم يدرؤون، أي يدفعون السيئةَ بالحسنة، فإنه لا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظٍّ عظيم.

     ثم امتدحهم بالإنفاق، وهو ما يعني أنهم قد حملوا معهم بعض الدعم والمعونات لتخفيف المعاناة التي اضطرت الصحابة في بعض الأيام أن يأكلوا أوراق الشجر؛ فقد فرضت عليهم قريش حصاراً اقتصادياً اجتماعياً سياسياً أمنياً؛ كالحال الذي مضى عليه أربع سنين لنا في قطاع غزة، ولكنَّ دوام الحال من المُحال.

     ويعود السرُّ في هذا التعاطف من وفد الحبشة أن النجاشي يتمتع بأخلاق طيبة، ومناقب حميدة؛ مثل بعض الزعماء الرحماء في القديم والحديث، ومنهم الذين أسلموا من فَوْرِهم عندما وصلهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كالمقوقس حاكم مصر، وفي واقعنا نجد ( تشافيز) رئيس فنزويلا، وكذا رئيس جنوب أفريقيا ( مانديلا)، وغيرهم.

     كما يعود الفضل بعد الله تبارك وتعالى إلى النشاط الذي قام به المهاجرون الأولون إلى الحبشة، وفي مقدمتهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمثاله اليوم أبناء الدعوة الإسلامية من العرب والفلسطينيين، أولئك الذين يحملون العبء الأكبر في تحريض الناس على الالتحاق بقوافل كسر الحصار، أو تخفيف كابوسه، ولو سياسياً وإعلامياً، ومع تواصل القوافل سيتلاشى الحصار ويذوب إلى أن يذهب بالكلية إلى غير رجعة بعون الله وتوفيقه.

     ثم زاد الله تعالى وفد الحبشة امتداحاً؛ فأخبر أنهم أعرضوا عن السفه واللغو الذي جُوبِهوا به من أبي جهل وأضرابه، وكان جوابهم: ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم، لا نبتغي الجاهلين)، والمعنى أننا لن نجاريكم في قبيح أخلاقكم، ولن نباريكم في البذاءة والشتائم، فكل إناءٍ بما فيه ينضح، إذْ لنا أعمالنا من الإيمان والعمل الصالح، ولكم أعمالكم من الكفر والفسوق والعصيان، وإننا نترككم وشأنكم، فلا نطلب الجاهلين بثأرٍ، فحسبهم ما هم فيه من الجهل، سواء أريد به ما يقابل العلم، وهو الأمية والعمى، أو كان بمعنى السفه والعَمَه، ولا مانع أن يكون من المشترك الذي أريد به كلا المعنيين، وربما كان اختيار كلمة ( الجاهلين ) تعريضاً بأبي جهل والذين معه، فإنهم بمناصرتهم له جديرون أن يحملوا نعته، فيوصفوا بالجاهلين.

     هذا، وإن سفه الحكومة المصرية في حق قافلة شريان الحياة(3) ليس بدعاً في التاريخ، فإمامهم في ذلك أبو جهل لعنه الله، وقد لَقَّبه النبي عليه الصلاة والسلام بفرعون هذه الأمة، وفرعون هو الذي استضعف طائفة من الرعية، فَذَبَّحَ أبناءهم، واستحيى نساءهم؛ إنه كان من المفسدين، وإن فراعنة زماننا هم اليوم الذين يحاصروننا، ويضطهدون القوافل المتضامنة معنا، وتحمل معها ما استيسر من الغذاء والدواء، فاستحق أفراد القوافل ومنظموها أن يُحْمدوا بما أثنى الله به على ركب النصارى الذي شَدَّ الرحال من الحبشة، فقطع الفيافي والبحار حتى وصل إلى المستضعفين المضطهدين في مكة.

     إن الله عز وجل قد تَأَذَّنَ أن يَمُنَّ علينا نحن المحاصرين، فيجعلنا أئمة يهدون بالحق، وبه يعدلون، ويجعلنا الوارثين لملك المحاصرين، كما أخرج الفراعنة الأولين من جناتٍ وعيون، وكنوزٍ ومقامٍ كريم، كذلك وأورثها بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين، والله عز وجل من شأنه أن يداول الأيام بين الناس؛ وفق سنته في إعزاز المؤمنين، وإذلال المشركين والمنافقين، وقصم الجبابرة والظالمين.

     إن الوفود التي تتأهب لزيارتنا كثيرة، فهناك قافلة فنزويلا، وقافلة ماليزيا، وقافلة جنوب أفريقيا، كما أن مجيء البرلمانيين الأتراك، ثم الأوروبيين، قد حَرَّك النخوة في النُوَّاب العرب، وفي أيامٍ معدودات يكون بين ظهرانينا العشرات منهم، ثم يأتي دورنا في الزحف إليهم، حتى يتحقق التعاون على البر والتقوى، فيبطل الله جل جلاله بذلك تعاون الكافرين والمنافقين على الإثم والعدوان.

     وما ذلك على الله بعزيز