تحاول الأم جاهدةً إنهاء واجباتها المنزلية المتراكمة، والشروع بإعداد وجبة غداء قبل عودة زوجها من عمله، لكن تركيزها كان منقسماً بين "شقاوة رواد" ومحاولة إتمام وظائفها وفق المطلوب.
أنهت الأم مهامها وتفرغت لإعداد الطعام الذي لا بد من تحضيره داخل المطبخ كالعادة، واستعانت بـ "سكّينة" غير حادة، وبدأت بصنع الغداء بمشاركة روحية ومعنوية من طفلها.
وبعد أن نجح الطفل "رواد أبو عليان" في استغفال والدته المنشغلة بأعمال المنزل، واستطاع سرقة السكينة التي تستخدمها في تقشير البطاطس وبدأ يلعب بها، لكن الام انتبهت إليه في اللحظة الأخيرة بعد إلهام ربّاني.
مشهد الطفل يحمل السكين مبتسماً دفع الأم للجري دون وعي وراء رواد الذي لا يدرك حجم الخطر الموجود بين يديه، في محاولة منها لإبطال الشر الذي قد ينتهي بحادثة مؤلمة.
وبينما تجري الأم بخطوات متسارعة كما طفلها، تعرقل رواد وهو يحمل السكين التي يبلغ طولها 20 سنتيمتراً في إحدى يداه وانكبّ على وجهه؛ لتدخل في فمه معلناً بذلك انتهاء العراك مع والدته.
لم يكن بوسع الأم المذعورة -بعد المشهد المفزع- سوى الاسراع نحو نقله إلى أقرب مستشفى؛ لإخراج السكين من فم الطفل وضمان بقائه على قيد الحياة، سيما بعد شعورها بخطر محدق على حياته.
وصل الطفل أبو عليان من قرية "عبسان" إلى مستشفى غزة الأوروبي بمدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، لتبدأ بوصوله محاولات إخراج السكين من فمه.
تفاصيل القصة، جاءت وفق رواية د.نضال أبو هدروس رئيس قسم جراحة الأعصاب في مستشفى غزة الأوربي، الذي أشرف على العملية بمساعدة د.أحمد الحلاق من قسم جراحة المخ والأعصاب، والاستعانة بالدكتور حسام المجايدة من قسم جراحة الوجه والفكيّن بمستشفى ناصر.
ويروي د.أبو هدروس لـ "الرسالة نت" تفاصيل العملية الدقيقة الخطيرة، منذ لحظة وصول الطفل رواد المستشفى الأوروبي، فيقول: "وصلت الحالة وبسرعة أدخلناها غرفة العمليات لإجراء اللازم".
السكين شقت طريقها بسرعة، واخترقت العظم ذاهبةً باتجاه الأعلى نحو الجمجمة وحنجرة الطفل، وتوقفت بالقرب من الشريان الرئيسي الذي يغذي حجرة العين اليسرى وعصبها.
العملية جرت بعد تخدير الطفل بشكل كامل، والتأكد من عدم إصابة الأجزاء سابقة الذكر بأي أذى، وبمجرد سحب السكين من فمه، جاء القرار بـإفاقة رواد الذي عاد إلى وضعه الطبيعي.
دقائق معدودة مليئة بالتركيز والقلق، فصلت بين العملية الخطرة وعودة الطفل طبيعياً إلى الحياة، بعد أن جرى رفع السكين من فمه بسهولة، وفق ما أكد الدكتور المشرف على العملية.
ويؤكد د. أبو هدروس أن من الممكن أن تكون العملية أكثر خطورة، في حال اخترقت السكين الشريان الرئيسي المغذي، الأمر الذي سيعقد عملية سحبها قبل أن تكون سبباً في وفاته.
قدرة الله كانت الحاسمة في العملية، فهي لا تعتمد على الطبيب الجرّاح ولا المريض المصاب، وقد تدخلت –بحسب ما ذكر د.أبو هدروس- لإنقاذ الطفل صاحب العام والنصف.