مواطن ينجو من الموت قبل ساعات من مقابلة "الرسالة"
صغار محرومون اللعب وقلق يلاحق الكبار
غزة- فادي الحسني
تراقب عجوز ستينية متشحة بالسواد من على بعد مئات الأمتار الخط الحدودي الفاصل بين شرق مدينة غزة والأراضي المحتلة عام 1948، وقلبها يزداد خفقا مع علو هدير الدبابات "الإسرائيلية" التي تجوب الحدود طولا وعرضا.
تحمل العجوز وتدعى أم محمد، "صرة" على رأسها، عائدة من وسط المدينة، إلى بيتها المتآكل بفعل القصف، وكلها أمل أن يمر اليوم دون حصول أي مصاب جلل، سيما أن هدير دبابات مصاحب لأزيز رصاص يخرج بين الحين والآخر.
تعلم العجوز أن حياتها وحياة أبنائها الخمسة والأحفاد في خطر، لكنها تصر على البقاء في تلك المنطقة النائية، بالقرب من مقبرة الشهداء، شرق غزة، بدافع أنه ليس أمامهم بديل.
ويبدو قاطنو المناطق الحدودية، أكثر استشعاراً بخطر الاحتلال الدائم، خاصة وأنهم تعرضوا لعمليات تهجير قصري خلال الحرب على غزة مطلع العام الماضي، وهدمت بيوتهم وفقدوا بعضا من أبنائهم، إضافة إلى فقدان مصادر أرزاقهم.
"الرسالة" زارت سكان تلك المناطق واطلعت على ظروفهم المعيشية، وعايشتهم بعضا من لحظات القلق، ونقلت روايات الخوف والرعب على ألسنتهم.
يراقب الآليات
بينما كنا على موعد مع آذان الظهر، كان الكهل صبحي أبو وردة منشغلا هو وولديه بخلع العشب من أرضه المتاخمة للحدود الشرقية مع الاراضي المحتلة، والشمس منصبة على وجههم، وكانوا قد أمضوا ستة ساعات على هذا الحال.
يربط أبو وردة جلبابه على وسطه وهو يضرب بفأسه في الأرض، لكنه يرفع بين الحين والآخر رأسه ليراقب حركة الآليات العسكرية المتجولة على الحدود، وعندما يطمئن لحركتها يعاود العمل مجدداً.
ينادي الكهل على نجليه لزيادة همتهما في نقل العشب على العربة، ثم العودة إلى منزلهم الواقع في منطقة "جباليا" شمال القطاع، قبل أن يحدث أي طارئ.
لا يأمن أبو وردة على روحه وأرواح من معه أثناء تواجده للعمل في أرضه التي جرى تجريفها ثلاث مرات على يد قوات الاحتلال، أخرها كان خلال الحرب الأخيرة على غزة.
ويقول أبو وردة: "نحن مزارعون ليس لنا أي حرفة سوى العمل في هذه الأرض، وبعدما جرى تجريفها قمنا بزراعتها مجددا بالعشب كمحصول سريع النضج(..) نعلم حجم الخطر في هذه المنطقة، لكن ليس أمامنا من خيار".
يتساءل العجوز وآثار التعب بادية على وجهه "كيف سنطعم أطفالنا لو لم نعمل في هذه الأرض؟..هل نموت جوعا؟".
وبانتهاء العمل يعود أبو وردة ليجوب على عربته طرقات المدينة، لبيع العشب الذي جمعه وأبنائه لمالكي مزارع المواشي والأبقار، ويقول :"لو كان هناك عمل بديل لما خاطرنا بأرواحنا وجئنا إلى هذا المكان النائي".
وفي بعض الأوقات يضطر الكهل لمغادرة أرضه خشية من طلقات نارية صائبة يسددها الجنود المتمركزون على الخط الفاصل، لذلك يؤكد أنه يدعو أبنائه للحذر الشديد أثناء العمل.
وحسب تقرير صادر عن وزارة الزراعة فقد بلغ عدد المزارعين المتضررين جراء الحرب الأخيرة على غزة (8478) مزارعاً ومنتجاً زراعياً، في حين أن المساحة المجرفة تزيد على (19) ألف دونم، وعدد الأشجار التي تم قطعها يزيد على(411)ألف شجرة.
خطرا واحد
ويشعر بالقلق جل المواطنين في المناطق الحدودية على اختلاف أماكن سكناهم، على اعتبار أنهم في نهاية الأمر يواجهون خطرا واحدا.
وفي المنطقة المحاذية أيضا للشريط الحدودي الشرقي البالغ طوله 58 كم، يقضي المواطن براك سالم في أواخر عقده الرابع جل وقته متنقلا بين المواشي داخل مزرعته المهترئة المحاطة بسياج خشبي بديلا عن ذاك الحديدي الذي طحنته الجرافات أثناء الحرب.
ويبدو المكان الذي يقيم فيه المواطن سالم وعائلته وأبناء عمومته، غير صالح للسكن، نظرا لرداءته، خصوصا أنه يغلب عليه الطابع البدائي، من حيث الشكل وظروف العيش، بفعل سحق منزلهم الخراساني قبل عام.
ودمرت آلة الحرب أكثر من 3500 وحدة سكنية بالكامل على رؤوس قاطنيها، وشرد عشرات الآلاف من الأسر، فيما يحول الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ أربعة أعوام، وغياب بوادر الإعمار، دون إيواء المشردين.
وتتخذ كل أسرة من عائلة سالم غرفة صفيح يغطيها "النايلون والكارتون" يشاركهم فيها المواشي والطيور، وتمثل في مجملها شكل من أشكال التحدي لما خلفته آلات الحرب "الإسرائيلية"، ويقول المواطن براك الذي يقطن المنطقة منذ ثلاثين عاما :"الحياة هنا صعبة جدا، خاصة عقب الحرب(..) خوف، ورعب، وقلة مأوى".
وكثيرا ما يضطر المواطن سالم وأفراد عائلته-وهم رعاة للمواشي- لمغادرة المكان، عقب إطلاق جنود الاحتلال المتمركزين على الحدود، زخات من الرصاص صوب مساكنهم.
ويجهل الأطفال في هذه المنطقة أبسط حقوقهم، فهم لا يمارسون اللعب إطلاقا، حيث يصمت طفل حنطي البشرة من عائلة سالم عند سؤاله، أين يلعب؟، فيما يجيب والده الذي يرتدي قبعة تقيه حر الشمس عن وجهه القمحي "أي لعب هذا!"، في إشارة إلى استحالة ممارسة الأطفال اللعب في المنطقة الحدودية.
ويتابع :"الأطفال هنا مصابون بالذعر نتيجة صوت الدبابات التي ترتع على الحدود بشكل دائم".
وأظهرت دراسة حديثة أن (73%) من أطفال قطاع غزة يعانون اضطرابات سلوكية ونفسية، نتيجة للحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع غزة، ويحتاجون إلى ترفيه وتفريغ نفسي.
وبلغ عدد الأطفال الذين استشهدوا في الحرب على غزة، نحو(330) طفلاً.
في أي لحظة
ولا يستطيع رجال عائلة سالم البدوية ترك مساكنهم لقضاء حوائجهم في آن واحد، حيث يضطرون إلى إبقاء عدد منهم في المكان، خشية من حصول أي طارئ كشن الاحتلال غارة على المنطقة، في أي لحظة ودون سابق إنذار.
ويقول المواطن براك وهو جالس بجوار غرفته "الصفيحية": "لن نترك المكان جميعا ونخرج لقضاء حوائجنا في المدينة مثلا، لأن احتمال وقوع أي طارئ وارد في أي لحظة، مما يحتم بقاء أحد من الرجال ليساعد النساء في الهروب".
ويغامر عمال في مفحمة أبو عودة يفصلهم عن السلك الحدودي الشائك عشرات الأمتار، بحياتهم، حيث يواصلون العمل منذ ساعات الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، يقابلهم أبراج مراقبة "إسرائيلية" ويعلو رؤوسهم مناطيد تتابع تحركاتهم.
صاحب المفحمة ويدعى أحمد أبو عودة في السابعة والثلاثين من عمره، قال :"إن الظروف الاقتصادية المتردية تجربهم للبحث عن لقمة العيش وسط دوامة الموت".
ويضيف أبو عودة: "قلة العمل دفعتنا لإنشاء هذه المفحمة لاستثمار الأشجار التي اقتلعتها الجرافات خلال الحرب..هذه المفحمة يعتاش منها ما يزيد عن سبعة أسر".
ويؤكد أن الخطر وارد في أي لحظة، خاصة أن الجنود المتمركزين في أبراج المراقبة لا يتوانون في إطلاق النار على كل ما هو متحرك، ويقول:" بالأمس أطلقوا النار على راعيين للأغنام في هذه المنطقة لكن الله سلم".
ونجا المزارع محمد الموسى في عقده الثالث من الموت قبل ساعات من إجراء "الرسالة" مقابلة معه، وقال:"كانوا يطلقون النار فوق رؤوسنا بينما كنا نجني الثمار".
ويغادر الموسى مزرعته مساء خشية على حياته، ثم يعود لها في الصباح الباكر لاستئناف عمله.
ويعمل ما يقرب ستون ألف مواطن في قطاع الزراعة، وتصل نسبة الأراضي الزراعية الحدودية نحو ستين كيلو متراً.
جني وسط التحليق
وفي وقت كان يحلق طيران مكثف فوق المنطقة الحدودية الشمالية الفاصلة بين القطاع والأراضي المحتلة، كن ثمة نساء يغطي وجوههن وشاح أسود، يجنين "الجزر" من مزرعتهن المتاخمة للحدود.
وتقول إحداهن وتدعى أم صبحي، إن الطيران الحربي لم ينفك عن التحليق في المنطقة صباح مساء، مؤكدة إنهن يأتون إلى المنطقة لمساعدة أزواجهن في جني الثمار رغم علمهن بخطورة العمل في مثل هذه الأجواء.
وأشارت المزارعة ام صبحي إلى أنها ترفض أن يساعد أبناؤها والدهم في ظل الخطر المحدق بهم باستمرار، وتقول: "أساعد زوجي بدلا من أبنائنا الذين أخشى عليهم من الطلقات الطائشة".
وفر المزارع أبو ناهض هاربا من مزرعته هو وعدد من العمال الذين يشاركوه جني ثمار البرتقال، عقب فتح جنود الاحتلال النار باتجاههم.
وبين أبو ناهض أن الجنود لا يتوانوا عن فتح النار على المزارعين كلما أرادوا قطف ثمارهم، بحجة أن هذه المنطقة، هي منطقة عازلة، موضحا أن البعض يضطر للمغامرة حتى يجلب ما يستطيع جلبه من الثمر.
وسلبت "إسرائيل" من مساحة القطاع الذي يتراوح عرضه بين 6 و12 كلم، جزءا جديدا من الأرض بإقامتها منطقة عازلة عقب الحرب، على طول الشريط الحدودي لابتلاع الأراضي الزراعية الواقعة قرب الشريط.
وحذّر مركز فلسطيني لحقوق الإنسان من نجاح قوات الاحتلال في فرض منطقة أمنية عازلة تشير المعطيات الميدانية أنها تصل إلى حوالي كيلو متر على طول الحدود الشرقية والشمالية، "وهو أمر ستكون له تداعيات خطيرة على حياة السكان في القطاع".
وذكر مركز الميزان أن قوات الاحتلال واصلت انتهاكاتها التي تستهدف السكان وممتلكاتهم وكل ما يتحرك في المناطق الفلسطينية القريبة من الحدود، والتي تتجاوز تلك المسافة التي تعلنها قوات الاحتلال بما يعزز ما ذهب إليه مركز الميزان مرات عدة من أن قوات الاحتلال تستهدف السكان وممتلكاتهم على مسافة تصل إلى كيلو متر "وليس كما تدعي تلك القوات من أنها لا تتجاوز الثلاثمائة متر".
توثيق
ووثق المركز توغل قوات الاحتلال بعدة آليات عسكرية ترافقها أربع جرافات، قبل نحو ثلاثة أسابيع، وواصلت الآليات حركتها شمالا بمحاذاة السياج، إلى أن وصلت تلك القوات للمنطقة الشرقية من مخيم المغازي وقرية المصدر وقدرت مسافة التوغل بالمنطقة حوالي 650 مترا، ورابطت الآليات قبل أن يترجل جنود الاحتلال في المنطقة.
وفي وقت لاحق باشرت الآليات في تجريف الأراضي الزراعية التي قدرت بحوالي (18) دونماً، كما جرفت ثلاث منازل للمواطنين، قبل أن انسحابها بساعات.
ورسمت اتفاقية أوسلو بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" الحدود بينهما في العام 1994، وحدد عرض المنطقة العازلة بـ 500 متر على طول 58 كم بداية من الحدود الشمالية الغربية للقطاع وحتى منطقة شرق رفح في الجنوب، لكن الاحتلال على ما يبدو لا يتواني عن ضم مزيدا من الأراضي وتشريد أصحابها.
وبذلك يبقى سكان المناطق الحدودية المتاخمة للاحتلال، يحملون أرواحهم على أكفهم في ضوء ممارسات الاحتلال البشعة، التي حرمتهم النوم وقضت على أحلام أطفالهم، وأوصدت أبواب أرزاقهم.