يضطر العشرات من أرباب الأسر الفلسطينية التي تقطن قرب الحدود الفاصلة بين قطاع غزة ومصر إلى اتخاذ إجراءات السلامة من أجل حماية أسرهم من النيران المتدفقة من الجانب المصري يوميا بفعل عمليات الجيش المستمرة خلف الحدود.
وخلال ساعات الليل تتزايد حدة الاشتباكات بين الجيش المصري وبعض الجماعات المسلحة في رفح المصرية.
محمود سليم يصر على منع أطفاله الخروج من المنزل، وأحيانا ينقلهم من حجرة مطلة على الحدود إلى عمق منزله الذي أصابت واجهته بعض الرصاصات، نتيجة عمليات التمشيط المستمرة للجيش المصري على الحدود.
ويقطن سليم -في العقد الرابع من العمر- في حي البرازيل المتاخم للشريط الحدودي مع مصر ويشعر بكثير من الخوف على مصير أطفاله خصوصًا أن حدة الاشتباكات والانفجارات المتكررة تزلزل المنزل في بعض الأحيان.
ومنذ الانقلاب العسكري على الرئيس المصري محمد مرسي وليالي سليم والعشرات من أرباب الأسر الفلسطينية قلقة، إذ لا تخلو ليلة من الاشتباكات بينما تحلق الطائرات المروحية في ساعات النهار فوق رفح الفلسطينية في مشهد لم ينساه سليم وجيرانه إبان الاحتلال "الإسرائيلي" المباشر لقطاع غزة وخلال عمليات القصف التي تستهدف الشريط الحدودي.
يُقلب سليم كفيه وينفث دخان سيجارته وهو يتحدث غاضبًا "أحيانا أشعر بأن اليهود عادوا لاحتلال الحدود من جديد من شدة النيران مع استيقاظ أطفالي مفزوعين ..".
ولا يوجد خيار لدى سليم سوى التخلي عن منزل العائلة التي ظل صامدا أمام آلة الحرب "الإسرائيلية" إلا استئجار منزل جديد في عمق المدينة حتى يتخلص من هذا المسلسل المرعب وفق ما قال لـ"الرسالة نت".
ويقول جيران سليم إن معظم الأبراج العسكرية المصرية على الحدود تشرع بإطلاق النيران بصورة هستيرية عند منتصف الليل.
وقال عصام –في الثلاثينيات من عمره- لـ"الرسالة نت": "أحيانا أشعر بأنهم (الجنود المصريين) يتسلون بإطلاق النار، لكن لهيب الرصاص يتطاير فوق منازلنا".
وليس السكان فقط من تستهدفهم النيران فهناك معركة صامته يومية تدور رحاها على الحدود البالغة (13 كيلو متر) بين الجنود المصريين ونظرائهم الفلسطينيين.
ويقول مجندون بالأمن الوطني الفلسطيني إنهم يحافظون على الهدوء قدر الإمكان أمام استفزازات نظرائهم المصريين التي تبدأ بتوجيه السباب والشتائم وتنتهي بإطلاق الرصاص.
وسرد رائد وهو مجند بالأمن الوطني حادثة تعرض لها الشهر الماضي قائلاً: "خلال خدمتي على الحدود بمنطقة البرازيل صرخ مجند مصري من أعلى برج مراقبة يطلب مني مغادرة مكان عملي ووجه الشتائم ل ري".
ويضيف المجند الذي اشترط ذكر اسمه الأول فقط لـ"الرسالة نت": "في البداية لم اهتم له لكنه زاد في السباب وبدأ يلوح بسلاحه ويطلق الرصاص في الهواء ويردد روح من هنا لأسيح دمك".
ومثل هذا العمل العدائي لم يحدث حتى في زمن نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي كان يعادي المقاومة الفلسطينية واستقبل وزير خارجيته أحمد أبو الغيط وزير خارجية الاحتلال تسيفي ليفني في القاهرة قبل شن العدوان على غزة في شتاء عام 2008-2009.
وعندما سقط نظام مبارك قبل ثلاث سنوات وأصبح الجنود المصريون محاصرين على الحدود هبّ أهالي رفح وبينهم المجند رائد لتقديم الطعام والماء للجنود المصريين.
وزار قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني اللواء جمال الجراح الشريط الحدودي الخميس الماضي والتقى بالضباط والجنود المكلفين بحماية الحدود وطالبهم بالتزام ضبط النفس، لأن عدو الشعب الفلسطيني هو الاحتلال "الإسرائيلي" فقط.
وعلى الحدود المائية فإن أحوال الصيادين الفلسطينيين أكثر صعوبة في ظل الاعتقال والملاحقة وتخريب وتدمير المراكب والاعتداء الجسدي من قوات البحرية المصرية.
ويترحم صيادو الأسماك في رفح على الفترة الذهبية التي عاشوها إبان حكم الرئيس مرسي إذ كان بإمكانهم الابحار لعشرات الكيلو مترات في المياه الإقليمية المصرية وممارسة مهنتهم دون تضيق أو ملاحقات أو سجن.
ويقول بعضهم لـ"الرسالة نت" إن مهنتهم أصبحت عبئًا في ظل الاعتداءات المصرية والتضيق الإسرائيلي".
وكانت قوات البحرية المصرية قد اعتقلت خمسة صيادين وأصابت اثنين آخرين في عرض البحر في الحادي والثلاثين من أغسطس، واعتدت في الشهر التالي على صياد ونجله ودمرت ممتلكاته وتركته.
وحكمت محكمة عسكرية في الخريف الماضي على الصيادين الخمسة الذين كانوا يرتدون بزات مائية سوداء لحظة القبض عليهم بالسجن لمدة عام بتهمة التسلل إلى المياه الإقليمية المصرية.
ويقر الصياد عمر البردويل بأن الاعتداءات والملاحقات المتكررة من البحرية المصرية شكلت رادعاً للصيادين وبعضهم ترك المهنة، وآخرون يخاطرون بأرواحهم في المناطق التي تنشط فيها الزوارق العسكرية "الإسرائيلية".