منها ما أسقطته الطائرات الحربية بشكل كامل، ومنها ما رسمت القذائف المدفعية فيه لوحات دمار عبّرت بها عن إفلاس وتخبط جيش الحرب "الإسرائيلي" صاحب بنك الأهداف المزعوم وآلياته المتمركزة شمال قطاع غزة.
لم يسلم أي برجٌ سكني من الأبراج المتواجدة في شمال قطاع غزة من بطش نيران مدفعية آلات الحرب المدمرة، فجميعها ناله نصيبٌ من الدمار والتخريب والتكسير، وحتى قتل بعض من في شققه السكنية.
أبراج الندى وأبراج العودة، وكذلك أبراج مدينة الشيخ زايد، كلها كانت تحت مرمى الاحتلال وآلياته التي توغلت بشكل محدود في مناطق معينة شمالاً، فكانت هدفًا سهلا لتلك الآليات لإفراغ حمولتها، في مظهر وصفه سكان تلك الأبراج بـ "فشة غل".
محمد الكفارنة، أحد ساكني برج 4 المدمر بشكل كامل من أبراج الندى، قال: "شقتي وشقة أخي والبرج كله تدمّر، والآن نبحث عن مكان للعيش فيه إلى أن يُعاد إعمار الأبراج ولا نتوقع ذلك قريبًا".
ويضيف الكفارنة لـ "الرسالة نت" : "المنطقة تدمرت بأكملها كغيرها من مناطق الشمال وخاصة بيت حانون، والحمد لله أننا استطعنا النجاة بأنفسنا والهروب بنسائنا وأطفالنا قبل ساعات من استهداف أبراجنا وتدميرها بشكل كامل".
ومع دخول وقف إطلاق النار الذي أعلنته دولة مصر حيّز التنفيذ قبل أربعة أيام، تفاجأ الكفارنة بحجم الدمار في تلك الأبراج، فما كان منه ومن بعض أصدقائه وجيرانه سوى أن قاموا بعمل خيمة صغيرة على مدخل البرج المدمر، شكّلوها من بقايا ما وجدوه من أخشابٍ وأقمشة وملابس ممزقة.
في تلك الخيمة جلسوا يتبادلون أطراف الحديث حول مصيرهم وعائلاتهم تارةً وينظرون إلى شققهم وأبراجهم المدمرة تارةً أخرى، بينما يحتسون أكوابًا من القهوة التي أعدّوها على لهيب الأخشاب المجمّعة من حُطام منازلهم.
محمد النادي، الذي شهد استهداف بعض الأبراج بشكل مباشر قال: ""الطائرات الحربية والمدفعية قصفت بدايةً الأراضي الخالية في محيط الأبراج، ثم انتقلت لتستهدف الأبراج بشكل مكثف وعشوائي ما أجبرنا على إخلائها واللجوء لمدارس الوكالة ومنازل أقاربنا التي قد تكون أكثر أمانًا".
"القذائف تساقطت علينا كالأمطار، ودمّرت عددا من الشقق السكنية وتساقطت نوافذ ما تبقى من شقق على الأرض، ناهيك عن أصوات القصف والدمار التي أرعبت الكبار قبل الأطفال الصغار في هذه المنطقة"، يُتابع النادي لـ "الرسالة نت".
الطائرات الحربية أسقطت على الأقل أربعةً من أبراج الندى التي أُنشأت مع قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994، فيما أجهزت القذائف المدفعية على الواجهة الغربية من باقي هذه أبراج التي يبلغ عددها 25 برجًا، احتوت بمجملها على أكثر من 600 شقة سكنية.
أما أبراج العودة الملاصقة للندى جنوبًا، فلحقها ضررا بالغا أيضًا، دمّر عددًا من الشقق السكنية التي استهدفتها مدفعية الاحتلال بشكل مباشر فيها، إضافة لتضرر مستشفى بلسم الذي أصابته قذائف الاحتلال وأُخلي بشكل كامل خلال أيام العدوان.
الضحية الثالثة كانت مدينة الشيخ زايد، والتي تحتوي أكثر من 70 برجًا وعمارةً سكنية، تضم ما يقرب من 720 شقة سكنية، دمّرت مدفعية الاحتلال عددًا من الشقق السكنية فيها، فيما أغارت الطائرات الحربية على طابقين من أحد أبراجه ودمرتهما بشكل كامل.
الاستهداف المتكرر لتلك الأبراج، أدى إلى إخلاء معظمها هربًا من الموت والقتل، وانقطاع الخدمات فيها من مياه وكهرباء، ناهيك عن استشهاد وإصابة عدد من المواطنين في قصفٍ لمناطق متفرقة من تلك الأبراج ومحيطها.
بهاء بعلوشة –أحد ساكني أبراج زايد- يقول: "دمار بالغ حلّ بمدينتنا السكنية بعد استهدافها بشكل مباشر من الآليات العسكرية، خاصةً برجي 2 و52، فيما شُرّدت حوالي 150 عائلة تدمرت شققها بشكل كامل ولا تصلح للسكن".
وتابع بعلوشة لـ "الرسالة نت": "مع دخول التهدئة حيز التنفيذ جئنا لتفقد شققنا ومدينتنا، لكننا صُدمنا من هول ما رأيناه، فالقصف دمّر أجزاء كبيرة من أبراج زايد وأدى لانقطاع المياه والكهرباء في معظمها".
وأضاف: "تعرضنا لقصف وإطلاق نار مكثف خلال الحربين السابقتين، إلا أن الدمار خلالهما كان محدودًا ومن السهل اصلاحه ولم يكن بهذه الصورة البشعة التي تجسّد تخبط الاحتلال وإفلاس بنك أهدافه".
أبراج وبنايات شمال القطاع بشكلها الحالي، ستبقى شاهدةً على جُرم الاحتلال "الإسرائيلي" وفراغ بنك أهدافه المزعوم، وتُضاف إلى مجموع جرائمه خلال أيام عدوانه الثلاثون على قطاع غزة في المعركة التي أسمتها غزة بـ"العصف المأكول".
وتعرضت غزة منذ السابع من يوليو المنصرم لعدوان "إسرائيلي" ارتقى على اثره أكثر من 1880 شهيدًا وأكثر من 9 آلاف جريح معظمهم من الأطفال والنساء، وتسبب بدمار مناطق كبيرة من القطاع ونزوح أهلها لمراكز الإيواء المختلفة.
(عدسة: عبدالرحمن الخالدي)