صُدم المزارع خضر سلمان حين جاء ليتفقد مزرعته في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة. وجدها خاوية على عروشها, وجداول لا ماء فيها إثر النيران الإسرائيلية التي لم ترحم حجرًا ولا شجرًا.
الاحتلال اعتمد في حربه الثالثة على غزة، سياسة الأرض المحروقة فحول مزرعة الخمسيني خضر وغيره من مئات المزارعين إلى رماد.
مراسل "الرسالة نت" التقى بالمزارع الذي كان يجلس وسط مزرعته المحروقة، يقول عابسًا: "إسرائيل دمرت كل ما أملك(..) مسحت الأخضر واليابس".
المزارع سلمان الأب لثمانية أفراد يعجز عن استصلاح أرضه في ظل إغلاقات المعابر، التي تمنع من دخول المواد اللازمة، مردفًا:" محصول السنة راح علينا، حياتنا أصبحت جحيم".
قطعت زوجة المزارع حديثنا متسائلةً: "ما الذي فعلناه ليلحق بنا هذا الدمار؟!"، تصمت قليلًا وتتحسبن.
واستهدفت قذائف الاحتلال العشوائية آلاف الدونمات الزراعية المنتشرة في مختلف مناطق القطاع، ما سيجبر المزارعين على انتظار عدة سنوات حتى تستعيد الأرض قدرتها الإنتاجية، وتتخلص التربة من المواد السامة التي أشبعت بها.
خلال سيرك بين الأراضي التي كانت زراعية في بيت لاهيا تشتم رائحة البارود التي طغت على الأجواء، تجد فقط أشجار مقلوعة ومنها محروق. شظايا القذائف متناثرة على سطح التربة.
المزارع محمد حمدية كان واقفا مع عائلته المكونة من عشرة أفراد على بوابة مزرعته التي تبعد مئات الأمتار عن مزرعة الخمسيني سلمان، وملامح الحسرة بانت على وجوههم.
المزارع حمدية أتم عقده الرابع حديثًا. ورث مزرعته عن أجداده يقول: "لم أتوقع أن أجد مزرعتي بهذا الدمار(..)، مزرعتي كانت تمثل آبائي وأجدادي". متسائلًا عن كل هذا الإجرام بحقه وحق غيره.
ويخشى حمدية تراجع إنتاجية أرضه الزراعية خلال الفترة المقبلة، مردفًا: "الأرض تحتاج إلى أشهر أو سنوات لتعود مثل قبل، خائف تكون التربة تسممت".
ويهاب عشرات المزارعين في بيت لاهيا خاصة من إصابة أراضيهم بالتصحر لعجزهم إصلاح التربة نتيجة الافتقار للخبرات الكافية والدعم المالي. بالإضافة إلا أنه لا يوجد تقارير علمية توضح لهم ماهية الأسلحة التي استخدمت بحق مزارعهم وكيفية المعالجة.
سمير حرارة الخبير بالشأن البيئي والزراعيّ يؤكد أن (إسرائيل) تعتمد قتل التربة وما عليها من مزروعات عبر حرقها بكميات كبيرة من المتفجرات التي تحمل مواد سامة.
ويقول حرارة أستاذ علوم الأرض والبيئة في الجامعة الإسلامية في غزة في حديث لـ "الرسالة نت"، "صواريخ الاحتلال وقذائفه التي استهدفت الأراضي الزراعية باتت تهدد الأمن الغذائي في القطاع".
ويشير إلى أنه لا يوجد دلائل جازمة حتى صياغة هذا التقرير على استخدام الاحتلال المواد السامة والمحرمة دوليًا في منطقة بيت لاهيا وغيرها، لكنه يؤكد أن المواد التي استخدمت كفيلة بخلق نتائج سلبية على الإنسان والتربة وما في باطنها.
ومن المتوقع أن ترتفع معدلات الخسائر المالية للقطاع الزراعي بشكل تدرّجي في غزة، والتي قدرت بشكل أولي بـ251 مليون دولار. حسب الإحصائية الأخيرة لوزارة الزراعة.
من جهته، قال وكيل وزارة الزراعة في غزة، نزار الوحيدي في حديث لصحيفة العربي الجديد اللندنية، إن مجرد ملامسة القذيفة أو الصاروخ الإسرائيلي لسطح الأرض، تنتج عدة أضرار تنتظر البيئة والكائنات الحية.
وأوضح الوحيدي أنه منذ عدوان 2008_2009، والذي استخدام فيه الاحتلال الفسفور الأبيض، وأرسلوا مئات العينات من التربة إلى المختبرات العلمية في الدول العربية، وعبر الوفود الأجنبية التي كانت تأتي إلى غزة من أجل فحصها والخروج بتقارير عملية.
ويبدو أن المزارع في بيت لاهيا ومزارع المتفرقة على القطاع بين هلالين على أعتاب كارثة زراعية، في حال تأخر عملية استصلاح التربة وانتشال القذائف والمواد الخطرة منها.