عادت السلطة الفلسطينية كعنوان كبير إلى واجهة التأثير بعد المعركة، واللافت هذه المرة أن إسرائيل تسعى إلى أن تعيدها إلى قطاع غزة من خلال انسلاخ الشراكة بين الرئيس محمود عباس وحركة حماس، كما ظهر في خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي خيّر أبو مازن بين السلام أو القُرب من حماس.
السلطة تعاطت مع غزة بسلبية كبيرة، ومارس إعلامها "شيطنة واضحة"، فضلا عن دور مراقب السلطة في الأمم المتحدة، إبراهيم خريشة، الذي قال "إن كل صاروخ يطلق من القطاع هو ضد الإنسانية". عدا عن حالة الاتهام لحماس والمقاومة بأنها تدير "حربا عبثية".
وبعد أن فشلت السلطة في إدارة التصعيد الشعبي في الضفة المحتلة، وظهرت أنها عاجزة عن حماية الشعب الفلسطيني، الذي أصبح يعيش "حالة نكران" ضدها، وبعد أن تحدثت كل المؤشرات عن انتفاضة وشيكة بالضفة، كل هذا جعل السلطة تُعيد التفكير في خطابها، لتبدو أنها قريبة من الشارع، لاسيما أن المقاومة هي الممثل الوحيد للفلسطينيين.
وأصبحت السلطة بعد ذلك تُعيد الحالة للقبول بالحراك المجتمعي، وأصبح لها دور في الحراك الخارجي، لكنها على الأرض كانت تتعامل بحذر كبير مع الحراك الشعبي، حيث كانت تمنع الاحتكاك المباشر للمسيرات مع نقاط الاحتلال، في سبيل منع تدحرج الأمور إلى انتفاضة حقيقية.
عدا عن أن مؤسسات السلطة لم تؤد دورا يليق بتضحيات الشعب، وانسحب أيضا رئيس حكومة الوفاق رامي الحمد الله من المشهد، ولم يمارس هو ووزراؤه أي دور خلال المعركة. باختصار، فإن السلطة لم تعش حالة من التعاون والنصرة لغزة.
تقول إسرائيل في قراءتها العامة، إن السلطة لم تحسم خياراتها العامة في التعامل مع حماس، وبقيت تنظر إلى أنه من الممكن أن تنقلب عليها، وأن تعزيز وجود الحركة في الضفة، هو خطر عليها.
لكن المخيف في دور السلطة بعد ذلك أنها بدأت في "شيطنة النصر" الذي حققته المقاومة، بدليل حديث عباس عن الخسائر التي أصابت غزة، و"حكومة الظل" التي ادّعى أنها تمارس عملها في القطاع.
إن الخطورة تكمن في أن تتعامل السلطة بقضية إعادة إعمار غزة من منظور أمني، لاسيما أنها تتحدث عن سلاح واحد، وهذه سيمفونية مضت، وتريد السلطة العزف عليها مجددا، والأهم من ذلك كله، التأخر في الإعمار وغياب الآليات. والخوف أن يأتي فصل الشتاء في ظل بيوت مدمرة، على أمل إثارة غضب الناس ضد المقاومة.
تحاول إسرائيل الآن إيجاد وضع مشابه للضفة في قطاع غزة، عبر إقناع السلطة بأن المقاومة وحماس على وجه التحديد، خطر على وجودها، من أجل إعادة سيطرتها الأمنية على غزة، وتولي الحكم فيها من جديد.
وهذا يعني أن الأمور بحاجة إلى مزيد من القراءة المعمقة، كي لا تقع الجبهة الداخلية في القطاع تحت دائرة الخداع مرة أخرى، والتأكيد على أن "الإعمار" ملف فلسطيني تقوم عليه السلطة من خلال وزاراتها، التي عليها أن تنفذ ما وعدت به الدول المانحة.