إغلاق معبر الكرامة .. خسائر تتسع وشريان اقتصاد فلسطيني يختنق

الرسالة نت- خاص

يمثّل معبر الكرامة الرابط الوحيد تقريبا بين الضفة الغربية والعالم الخارجي عبر الأردن، وهو شريان اقتصادي وإنساني لا غنى عنه لسكان الضفة، سواء على مستوى حركة الأفراد أو انسياب البضائع.

ومع الإغلاق المتكرر الذي شهده المعبر خلال الشهرين الماضيين، برزت بوضوح خطورة هذا الاعتماد الكبير على منفذ واحد، وتجلت الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على تعطيله، في وقت تعيش فيه الأراضي الفلسطينية واحدة من أصعب المراحل منذ سنوات.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن خسائر الاقتصاد الفلسطيني خلال شهرين من الإغلاق بلغت نحو مليار شيكل، وهي خسارة تعكس حجم التأثير الذي طال مختلف القطاعات المنتجة، من الصناعة والزراعة وصولا إلى الخدمات التجارية.

ويأتي ذلك في ظل تعطل شبه تام للممر التجاري، ما أدى إلى توقف تدفق السلع الأساسية والمواد الخام، وتباطؤ الأنشطة الاقتصادية على نطاق واسع.
خسائر كبيرة

وتظهر البيانات أن قطاع النقل التجاري وحده يسجل خسائر يومية تصل إلى 900 ألف شيكل نتيجة توقف حركة الشحن ونقل البضائع، في وقت كان الممر يشهد مرور نحو 550 شاحنة يوميا قبل أن تبدأ إسرائيل بتقليص تدريجي لعدد الشاحنات منذ اندلاع الحرب على غزة.

هذه الخسائر لا تشمل فقط كلفة التوقف عن العمل، بل تمتد أيضا إلى تلف المواد وارتفاع تكاليف التخزين واضطرار المصانع للبحث عن بدائل مكلفة أو تقليص الإنتاج.

أما على صعيد حركة المسافرين، فقد بلغ عدد العابرين عبر المعبر في عام 2024 حوالي مليون و749 ألف مسافر، ما يعكس حجم الاعتماد الشعبي والاقتصادي على هذا المنفذ الحيوي. ويؤدي أي إغلاق أو تقليص لساعات العمل فيه إلى ازدحام خانق، وتكاليف إضافية للمسافرين، وإرباك لقطاع السياحة العلاجية والدينية، الذي يعتمد عليه آلاف الفلسطينيين سنويا.

ولا تقف الخسائر عند هذا الحد؛ إذ تظهر البيانات أن إغلاق المعبر يفاقم الضغوط على أسعار السلع والمخزون التجاري، في ظل اعتماد السوق المحلية بشكل شبه كامل على مرور البضائع عبر الأردن.

ومع توقف الحركة التجارية، تعرضت القطاعات الإنتاجية لنقص في المواد الخام، ما أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية وارتفاع تكاليف استيراد بدائل عبر طرق أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة.

ومن جانب الإيرادات الحكومية، تفقد الميزانية الفلسطينية مبالغ كبيرة نتيجة توقف جباية رسوم المغادرة وخدمات الـVIP ورسوم الشحن التجاري.
وتزداد الأزمة تعقيدا مع استمرار إسرائيل في رفض تسليم عائدات ضريبة المغادرة للسلطة الفلسطينية، وهي أموال متراكمة منذ سنوات تجاوزت قيمتها مليار شيكل، ما يحرم الخزينة من رافد مالي بالغ الأهمية في ظل أزمة مالية خانقة.

تداعيات كارثية

وفي السياق الرسمي، حذرت وزارة الاقتصاد الفلسطينية من تداعيات استمرار إغلاق الممر التجاري في معبر الكرامة. ففي 18 سبتمبر/ أيلول 2025، أغلقت إسرائيل المعبر إثر مقتل جنديين إسرائيليين في عملية إطلاق نار، لتعيد فتحه بعد أيام أمام المسافرين فقط، مع الإبقاء على الممر التجاري مغلقا بالكامل.

وقالت الوزارة إن المعبر كان يشهد مرور أكثر من 550 شاحنة يوميا قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وأن الإغلاق الحالي تسبب في توقف شبه كامل للحركة التجارية الفلسطينية.

وأشارت الوزارة إلى أن تعطّل صادرات التمور والخضروات والفواكه في ذروة الموسم ألحق خسائر فادحة بالمزارعين والمصانع الفلسطينية، وعرقل تدفق السلع الأساسية التي يعتمد عليها السوق المحلي، ما يهدد الأمن الغذائي في الضفة الغربية ويعمّق معاناة المنتجين.

وأكد بيان الوزارة أن الحكومة الفلسطينية تتابع هذا الملف بشكل مكثف، وتواصل اتصالاتها مع الأشقاء العرب والدول الصديقة لحشد الدعم الدولي والضغط على إسرائيل من أجل إعادة فتح المعبر بشكل عاجل، وضمان انسياب حركة البضائع ومنع سياسة الإغلاق التي تتسبب بخنق اقتصادي متواصل.

وبدوره، قال رئيس الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، نصار نصار: "هذا الإغلاق ليس مجرد إجراء أمني، بل هو خنق اقتصادي ممنهج يهدف إلى تصفية الصناعة الفلسطينية وقتل فرص آلاف العمال، إسرائيل لا تغلق بوابة تجارة فحسب، بل تغلق أبواب حياة آلاف العائلات، هذه سياسة عدوانية واضحة تستدعي تحركا دوليا عاجلا".

وأضاف نصار: "لدينا مواد خام وبضائع انتهت صلاحيتها قبل أن تصل إلى مصانعنا، وهناك مصانع أصيبت بالشلل وأخرى أُجبرت على التوقف، نطالب المجتمع الدولي بالضغط السياسي الفوري لفتح المعبر، قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة اقتصادية وإنسانية لا يمكن السيطرة عليها".

وتجدر الإشارة إلى أن المحصلة أن إغلاق معبر الكرامة لا يوقف حركة السفر فقط، بل يربك سلسلة الإمداد كاملة ويرفع كلفة المعيشة ويضغط على الأسواق والقطاعات الإنتاجية ويهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي للضفة الغربية.

ومع استمرار الإغلاق وتراكم الخسائر يوميا، يصبح البحث عن حلول بديلة وتحسين إدارة الحركة التجارية ضرورة وطنية ملحّة لا تحتمل التأجيل.