في حضن أمه، يصارع محمد، ذو الأربعة أشهر، معركة غير متكافئة مع الحياة. وُلد محمد وهو يعاني من عدم اكتمال القلب، وتشير الأعراض التي تظهر عليه، من ضيق حاد في التنفس وزُرقة في جسده، إلى خطورة حالته الصحية.
أطباء غزة أبلغوا والدته بأن نجاته مرهونة بإجراء ثلاث عمليات جراحية عاجلة لا يمكن إجراؤها داخل القطاع في ظل غياب الأدوية، وتعطل غرف العمليات، ونقص الكوادر الطبية المتخصصة.
والدة محمد لا تطلب أكثر من فتح معبر رفح. تقول إن الأطباء حذّروها من أن طفلها قد لا يعيش أكثر من خمسة أشهر إذا استمر الإغلاق، ومع ذلك يبقى اسمه مدرجًا على قوائم انتظار طويلة لا تتحرك.
قصة محمد ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف القصص التي تختنق خلف المعابر المغلقة.
وينتظر آلاف الفلسطينيين فرصة السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة، بعدما دمّر الاحتلال المنظومة الصحية، ومنع إدخال الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، ما فاقم معاناة المرضى والجرحى يومًا بعد يوم.
ورغم مرور أكثر من شهرين يومًا على اتفاق وقف إطلاق النار، لا تزال المعابر، وعلى رأسها معبر رفح البري، مغلقة، فيما يواجه القطاع نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، في وضع يهدد حياة الآلاف.
مرضى السرطان، وأصحاب الأمراض المزمنة، ومرضى القلب والكلى، إلى جانب الأطفال الخدّج والجرحى، يقفون اليوم في صف واحد، ينتظرون فرصة قد لا تأتي. ويقول أحد المرضى: “لم نعد ننتظر العلاج، نحن ننتظر دورنا في الموت”.
وتؤكد مصادر طبية أن أكثر من 60% من المستشفيات في قطاع غزة خرجت عن الخدمة بفعل القصف ونقص الوقود، فيما تعمل المستشفيات المتبقية بإمكانات محدودة لا تلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات.
ويقول أحد الأطباء إن “كل ساعة تمر في ظل هذا الوضع تضيف عبئًا جديدًا على المرضى، وترفع احتمالات الوفاة، ليس بسبب خطورة المرض فقط، بل بسبب غياب العلاج”.
وفيما يتعلق بسفر المرضى للعلاج في الخارج، كشف زاهر الوحيدي، مدير وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، أن أكثر من 19,500 مريض أنهوا إجراءات التحويل الطبية وينتظرون السفر، في وقت لم يشهد فيه القطاع سفر أي مرضى منذ فترة طويلة.
وأوضح في تصريح خاص للرسالة نت أن عدد المرضى الذين يُسمح لهم بالسفر شهريًا لا يتجاوز 100 إلى 150 مريضًا، مشيرًا إلى أن العمل بهذه الآلية يعني أن إجلاء المرضى سيستغرق ما بين 10 إلى 15 عامًا، وهو أمر غير واقعي ويعكس حجم الكارثة الإنسانية.
وشدد الوحيدي على أن استمرار إغلاق معبر رفح يتسبب يوميًا في فقدان أرواح المرضى، مؤكدًا وفاة أكثر من 1,122 مريضًا نتيجة إغلاق المعابر ومنعهم من الوصول إلى العلاج اللازم. وختم حديثه بمناشدة عاجلة للمنظمات الصحية والمؤسسات الدولية بضرورة التحرك الفوري لدعم القطاع الصحي في غزة، والضغط على الاحتلال للسماح بإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، وفتح معبر رفح البري، وإجلاء المرضى قبل فوات الأوان.
ومنذ اندلاع حرب الإبادة، جعل جيش الاحتلال المنظومة الصحية في قطاع غزة هدفًا مباشرًا له، إذ تعمّد استهداف المستشفيات والمراكز الطبية، ما أدى إلى انهيار واسع في القطاع الصحي، وخروج أكثر من 70% من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، وفق ما تفيد به وزارة الصحة في غزة.
وبحسب إحصائية للمكتب الإعلامي الحكومي، استهدف الاحتلال 37 مستشفى و80 مركزًا صحيًا وأخرجها عن الخدمة، إضافة إلى استهداف 162 مؤسسة صحية. ومن أبرز المستشفيات التي طالها الدمار في شمال قطاع غزة مجمع الشفاء الطبي، ومستشفيات كمال عدوان، والإندونيسي، والعودة، إلى جانب مجمع ناصر الطبي في محافظة خان يونس جنوبي القطاع، وغيرها من المراكز التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات.
قصة الطفل محمد تختصر المشهد بأكمله: حياة معلّقة على معبر مغلق، ونظام صحي ينهار بصمت، ومرضى يدفعون ثمن السياسة بأجسادهم. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: كم طفلًا آخر يجب أن يقترب من الموت، حتى يُفتح الطريق إلى العلاج؟