"إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنّا على فراق منزل أجدادنا لمحزونون"... بهذه الكلمات التي تشبه خطبة وداع، وقف رافت بصبوص أمام منزله في القدس المحتلة، يستعد لمغادرته قسرًا، تنفيذًا لقرار صادر عن قوات الاحتلال التي ستباشر هدمه فورًا. لكن الكلمات لم تكتمل.
اختنق صوته، وتكسّرت عباراته بين دموعه، فيما كان أبناؤه يفرغون المنزل قطعةً قطعة. حقائب تُحمل على عجل، أثاث يُسحب من بين الجدران التي شهدت أعمارهم، وذكريات تُقتلع كما تُقتلع الحجارة من أساساتها. لم يكن المشهد مجرد إخلاء منزل، بل اقتلاع حياة كاملة من جذورها.
يقول بصبوص بصوتٍ متعب: "هُجّرت كما هُجّر أجدادي من بلدة الدوايمة قضاء القدس، والحمد لله الذي ثبّتهم في هذا البيت... لكنه الفراق صعب جدًا."
يتوقف قليلًا، ينظر إلى الجدران التي يلمسها كأنها كائن حي، ثم يضيف:
"أشعر أن الأرض تبكي... هذه الجدران لن يعود فيها من يسجد لله بعد اليوم، ولن يُتلى فيها القرآن كما كان."
في ذلك البيت، الذي شُيّد قبل أن تمتد يد الاحتلال إلى القدس، عاشت العائلة منذ عام 1963. ثلاثة أجيال مرّت من هنا: آباء، وأبناء، وأحفاد. 73 عامًا من الحياة المتراكمة في زواياه، من أفراح صغيرة إلى أحزان كبيرة، من موائد رمضان إلى ليالي الشتاء الطويلة.
لكن كل ذلك لم يشفع للبيت.
بحجة "البناء دون ترخيص"، صدر القرار. حجة تتكرر كثيرًا في القدس، حيث تتحول القوانين إلى أدوات لاقتلاع السكان الأصليين، في ظل قيود مشددة تجعل الحصول على تراخيص البناء شبه مستحيل للفلسطينيين.
من حي سلوان، حيث يقف بصبوص اليوم على عتبة التهجير، يبدو المشهد أكبر من قصة عائلة. إنه امتداد لحكاية طويلة من النزوح القسري، بدأت مع الأجداد في الدوايمة، وتُستكمل اليوم في القدس.
"نحتسب ما حدث عند الله"، يقولها بصبوص، وكأنه يحاول أن يمنح الفقد معنى، أو يخفف عن نفسه وطأة الرحيل. لكن الحقيقة تبقى أثقل من الكلمات.
فالبيت الذي كان يومًا ملاذًا، أصبح هدفًا، والجدران التي احتضنت الحياة ستتحول إلى ركام. وبين لحظة وأخرى، يتحول المكان من ذاكرةٍ حيّة إلى أثرٍ غائب.
وعندما يغادر بصبوص وعائلته، لن يتركوا خلفهم حجارة فقط، بل سيتركون جزءًا من أرواحهم؛ في بيتٍ كان يومًا وطنًا صغيرًا داخل وطنٍ أكبر يُنتزع ببطء.
وتكشف الأرقام حجم التصعيد في بلدة سلوان منذ بداية عام 2026. فبحسب معطيات محافظة القدس، سُجّل خلال شهر كانون الثاني وحده 86 عملية هدم وتجريف في عموم المدينة، تركز جزءٌ منها في أحياء مثل سلوان.
ومع استمرار الأشهر التالية، وثّقت تقارير ميدانية تنفيذ عمليات هدم متكررة داخل البلدة، من بينها هدم 5 منازل دفعة واحدة في آذار/مارس وتشريد عشرات السكان، إضافة إلى عمليات أخرى طالت عدة منازل في الأيام الأخيرة.
وبالاستناد إلى تقارير إحصائية، فقد بلغ إجمالي عمليات الهدم في الضفة والقدس خلال الربع الأول من 2026 نحو 102 عملية، تركزت بشكل لافت في القدس وأحيائها، وعلى رأسها سلوان .
وهكذا، فإن قصة بصبوص هي جزء من مشهدٍ أوسع تتكرر فيه الحكاية بالأرقام كما تتكرر بالدموع: منازل تُهدم، وعائلات تُهجّر، وذاكرة مدينة تُستنزف بيتًا بعد بيت.