مع إسدال الستار على عام 2025، تتكشف حصيلة كارثية لما تعرض له القطاع الزراعي في غزة، الذي خرج من هذا العام مثقلًا بخسائر بمليارات الدولارات، وانهيار شبه كامل في قدرته على الإنتاج. ففي سياق العدوان الإسرائيلي المتواصل، لم تكن الزراعة هامشًا جانبيًا للأضرار، بل هدفًا مباشرًا ضمن سياسة ممنهجة ضربت ركائز الأمن الغذائي، ونسفت أحد أهم أعمدة الاقتصاد المحلي في القطاع المحاصر.
قطاع حيوي قبل الحرب
وقبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، شكّلت الزراعة أحد القطاعات الإنتاجية المركزية في غزة، إذ ساهمت بنحو 10–11% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت قيمة الإنتاج الزراعي عام 2022 نحو 575 مليون دولار، نصفها تقريبًا من الإنتاج النباتي، والنصف الآخر من الإنتاج الحيواني.
واعتمد أكثر من 560 ألف شخص بشكل كلي أو جزئي على الزراعة، سواء عبر زراعة الأراضي أو الثروة الحيوانية أو الصيد البحري، في واقع اقتصادي يتسم بارتفاع معدلات البطالة.
وبلغت مساحة الأراضي الزراعية المزروعة في موسم 2020–2021 نحو 117 ألف دونم، كانت تُنتج الخضراوات والفواكه والحبوب، إضافة إلى مزارع المواشي وأحواض الأسماك، وأسهمت المنتجات الزراعية بنحو 55% من إجمالي السلع التي سُوّقت أو صُدّرت من غزة.
انهيار واسع النطاق
غير أن هذا القطاع الحيوي تعرض، خلال عامي الحرب، لانهيار غير مسبوق. فقد أظهر تقرير حديث لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن أكثر من 80% من الأراضي الزراعية تضررت بفعل العمليات العسكرية، فيما أصبحت 77.8% منها غير متاحة للمزارعين، ولم يتبقَّ سوى أقل من 5% من الأراضي القابلة للزراعة.
وأشار التقرير إلى أن أكثر من 70% من البيوت البلاستيكية دُمرت بالكامل، كما تضررت 82.8% من الآبار الزراعية، ما أدى إلى شح حاد في المياه اللازمة للري.
وبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، دمر الجيش الإسرائيلي أكثر من 94% من الأراضي الزراعية من أصل 178 ألف دونم، لتتراجع القدرة الإنتاجية من 405 آلاف طن سنويًا إلى نحو 28 ألف طن فقط.
الثروة الحيوانية والصيد البحري
ولم يقتصر الدمار على المحاصيل، إذ تسبب العدوان في انهيار شبه كامل لقطاع الثروة الحيوانية. ووفق تقرير للفاو في أيار/مايو 2025، لم يبقَ على قيد الحياة سوى 3.8% من الأبقار، و36% من الأغنام، و39% من الماعز، و1.4% من الدواجن، مع تحذيرات من نفوق 20–30% من الحيوانات المتبقية في ظل غياب الأعلاف والخدمات البيطرية.
أما قطاع الصيد البحري، فقد تضرر بالكامل، بعد تقييد وصول الصيادين إلى البحر، وتدمير القوارب ووسائل العمل، ما فاقم نقص البروتينات الحيوانية في النظام الغذائي للسكان.
خسائر بيئية وغذائية
وامتدت الخسائر إلى تربية النحل، حيث دُمرت أو هُجرت نحو 27 ألف خلية من أصل 30 ألفًا، ونفق أكثر من 90% من النحل، ما أدى إلى تراجع إنتاج العسل من 250 طنًا سنويًا إلى نحو 20–25 طنًا فقط، إضافة إلى تضرر 76% من النباتات المزهرة.
وفي المحصلة، تشير الفاو إلى أن أكثر من 90% من سكان غزة لا يستطيعون الحصول على غذاء كافٍ، وأن الإنتاج المحلي من الخضراوات والحبوب انخفض إلى أقل من نصف مستواه قبل عامين، ما يضع القطاع على حافة مجاعة واسعة النطاق.
قيود الاحتلال تمنع التعافي
من جانبه، أكد المهندس محمد عودة، الناطق باسم وزارة الزراعة في غزة، أن نحو 90% من الأراضي الزراعية باتت خارج الخدمة، فيما لا تتجاوز المساحات المزروعة حاليًا 5–10% من الأراضي الصالحة للزراعة.
وأوضح عودة لـ"الرسالة نت" أن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي يفرضه الاحتلال شرق وشمال وجنوب القطاع يحرم المزارعين من الوصول إلى 35–40% من أخصب الأراضي، مضيفًا أن الاحتلال يمنع إدخال البذور والأسمدة والمبيدات وشبكات الري، ويُبقي الزراعة رهينة مدخلات قديمة أو مهربة وضعيفة الجودة.
وأشار إلى أن الإنتاج الزراعي الحالي لا يتجاوز 20–30 ألف طن، أي ما يعادل 5–7% من إنتاج ما قبل الحرب، مؤكدًا أن الاحتلال يستهدف القطاع الزراعي بشكل ممنهج، بعد أن حققت غزة قبل الحرب اكتفاءً ذاتيًا تجاوز 115%، وكانت تُصدّر نحو 15% من إنتاجها.
أرقام صادمة وخسائر بمليارات
ووفق تقرير إحصائي نشره المكتب الإعلامي الحكومي في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بلغت خسائر القطاع الزراعي نحو 2.8 مليار دولار، بينما قدّر البنك الدولي في شباط/فبراير 2025 حجم الأضرار بأكثر من ملياري دولار، مشيرًا إلى أن إنعاش القطاع يحتاج إلى نحو 8.4 مليارات دولار واستثمار طويل الأمد.
وصنّفت الفاو غزة ضمن أسوأ الأزمات الغذائية عالميًا للفترة 2024–2025، إلى جانب السودان واليمن وأفغانستان، وقدّرت أن نحو 2.2 مليون شخص بحاجة ماسة إلى مساعدات غذائية وإنسانية فورية.
وقالت بيث بيكدول، نائبة المدير العام للفاو، إن ما يجري في غزة لا يقتصر على تدمير بنية تحتية، بل يمثل "انهيارًا كاملًا لنظام الأغذية الزراعية وشريان الحياة"، محذّرة من مجاعة وشيكة إذا استمرت القيود ومنع إدخال المساعدات.