قال ماجد الزير، رئيس المجلس السياسي الفلسطيني الأوروبي، إن القارة الأوروبية شهدت خلال عام 2025 تطورات ومتغيرات عميقة وغير مسبوقة تصب بشكل متراكم واستراتيجي في صالح القضية الفلسطينية، وذلك بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير القسري التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة.
وأوضح الزير لـ"الرسالة نت"، أن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين شكّلت سابقة تاريخية من حيث التوثيق، إذ رُصدت الجريمة كاملة بالصوت والصورة، وحدّدت هوية الجاني والضحية وأداة الجريمة، في مشهد غير مسبوق في التاريخ الحديث، ما جعل العالم بأسره شاهدًا مباشرًا على ما يجري.
وأضاف أن هذه المشاهد، التي بثّتها الكاميرات لحظة بلحظة، اخترقت الوعي الإنساني العالمي، ولم يعد بالإمكان تجاهلها أو التلاعب بحقيقتها، حتى لدى من لا يمتلكون اهتمامًا عميقًا بالسياسة أو بشؤون الشرق الأوسط.
وتابع الزير أنه بالتزامن مع إحياء اليوم العالمي لحقوق الإنسان، لا بد من الترحم على أرواح الشهداء الذين انتُهكت أبسط حقوقهم التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والدعاء بالشفاء العاجل للجرحى، والحرية لعشرات الآلاف من الأسرى الذين يتعرضون للاضطهاد على مرأى ومسمع من العالم.
وأشار إلى أن هذه الجرائم شكّلت أوضح نموذج لانتهاك القانون الدولي الإنساني، وأدخلت القضية الفلسطينية بقوة إلى مسار محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، في سياق لم يعد من الممكن الالتفاف عليه سياسيًا أو قانونيًا.
وبيّن رئيس المجلس السياسي الفلسطيني الأوروبي أن هذه الصور الدامية أحدثت زلزالًا حقيقيًا في الضمير الجمعي للشعوب الأوروبية، وأدت إلى انقلاب جذري في الوعي العام الذي طالما تشكّل لعقود تحت تأثير الدعاية الصهيونية.
وأوضح أن المشروع الصهيوني عاش طويلًا على الأكاذيب، منذ نكبة فلسطين وما قبلها، مستفيدًا من ماكينة إعلامية غربية ضخمة دعمت سرديته الزائفة، وسيطرت على وعي الشعوب الأوروبية ومواقف حكوماتها.
وأضاف أن الحقيقة، حين ظهرت بهذه الوحشية والوضوح، كشفت حجم التضليل الذي تعرضت له المجتمعات الغربية، لا سيما أن هذه الشعوب تربّت على قيم الانفتاح وحرية التعبير والبحث عن الحقيقة.
وأكد الزير أن طبيعة الأنظمة الديمقراطية الأوروبية ساعدت على ترجمة هذا التحول الأخلاقي إلى فعل سياسي وشعبي، تمثل في موجات احتجاج غير مسبوقة لم تتوقف طوال عامين من العدوان.
وأشار إلى أن المظاهرات الداعمة لفلسطين اتسمت باتساع جغرافي لافت، وتنوع في أشكال الاحتجاج، وارتفاع كبير في أعداد المشاركين، فضلًا عن تنوع أدوات الضغط السياسي والإعلامي.
وأوضح أن هذه التحركات استهدفت بشكل مباشر السياسات الرسمية الأوروبية الداعمة للاحتلال، وفضحت تورط الحكومات في تسليح آلة القتل الإسرائيلية وتوفير الغطاء السياسي والقانوني لها.
ولفت إلى أن من يرصد منحنى التفاعل الأوروبي مع القضية الفلسطينية منذ أكتوبر 2023 وحتى ديسمبر 2025 يدرك حجم التحول العميق الذي طرأ على المزاج العام الأوروبي لصالح الحق الفلسطيني.
وبيّن الزير أن هذا التحول لم يكن عفويًا، بل نتاج تراكمي لعوامل عديدة، من بينها دور الجاليات الفلسطينية في أوروبا، التي أعادت تنظيم حضورها السياسي والإعلامي بشكل فاعل.
وأضاف أن الجاليات العربية، خاصة في فرنسا حيث يشكل ذوو الأصول المغاربية نسبة كبيرة من السكان، لعبت دورًا محوريًا في دعم الحراك الشعبي.
وأشار كذلك إلى الدور المتنامي لمسلمي أوروبا، لا سيما في بريطانيا، حيث بات لهم حضور مؤثر في دوائر صنع القرار على المستويات المحلية والوطنية.
وأكد الزير أن أحرار العالم، من مختلف الخلفيات، شكّلوا مع الفلسطينيين وحلفائهم توليفة إنسانية وسياسية فريدة، سرعان ما تحولت إلى فعل منظم منذ الأيام الأولى للعدوان.
وأوضح أن المظاهرات اليومية، التي كانت تبلغ ذروتها في عطلات نهاية الأسبوع، تحولت إلى متنفس جماعي للتعبير عن الغضب والالتزام الأخلاقي تجاه فلسطين.
وكشف الزير أن المركز الأوروبي الفلسطيني للإعلام وثّق أكثر من 45 ألف مظاهرة في نحو 800 مدينة أوروبية داخل 25 دولة خلال عامي الإبادة، ترتفع إلى نحو 50 ألف مظاهرة عند احتساب بريطانيا.
وأشار إلى أن هذا الحراك امتد بقوة إلى الجامعات الأوروبية، حيث شهدت العديد من الدول حالات عصيان أكاديمي، توازيًا مع ما جرى في الجامعات الأمريكية.
وأضاف أن النقابات العمالية والمهنية، بما فيها نقابات الأطباء والمهندسين، انخرطت بفعالية في دعم القضية الفلسطينية.
وأوضح أن ذروة هذا التفاعل تجلت في إيطاليا أواخر سبتمبر 2025، عندما تحولت الاحتجاجات إلى شكل من أشكال العصيان المدني، وربطت بين المطالب الاجتماعية المحلية والمظلومية الفلسطينية.
وأشار الزير إلى أن المسار القانوني شكّل أحد أهم ميادين التحول، خاصة بعد لجوء جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية ونجاحها في تجريم سلوك الاحتلال.
وأوضح أن ملاحقة قادة الاحتلال أمام محكمة الجنايات الدولية أحدثت أثرًا مباشرًا داخل أوروبا، وشجعت محاكم محلية على النظر في قضايا مرفوعة ضد دول تدعم الاحتلال عسكريًا.
وأضاف أن صور قادة الاحتلال باتت تُرفع في المظاهرات الأوروبية بوصفهم مطلوبين للعدالة الدولية، ما أدى إلى منع بعضهم من دخول دول أوروبية عدة.
وأشار إلى تأسيس مؤسسات قانونية متخصصة في ملاحقة مجرمي الحرب، من بينها مؤسسة “هند رجب”، التي مثّلت اختراقًا نوعيًا في معركة إنهاء الإفلات من العقاب.
وأكد أن جنود الاحتلال انتقلوا من حالة الغطرسة إلى حالة الهروب والخشية من الاعتقال، في تحول غير مسبوق في الوعي القانوني الدولي تجاه فلسطين.
وأوضح الزير أن هذه التحولات انعكست سياسيًا في صناديق الاقتراع، سواء في الانتخابات المحلية أو البرلمانية الأوروبية.
وأشار إلى صعود قوى سياسية متضامنة مع فلسطين، كما حدث مع حزب “فرنسا الأبية”، الذي حقق اختراقًا كبيرًا بحصوله على أكثر من 70 مقعدًا في الجمعية الوطنية و12 مقعدًا في البرلمان الأوروبي.
ولفت إلى تراجع اليمين المتطرف في هولندا، وصعود قوائم انتخابية في النمسا ربطت خطابها السياسي بغزة وحققت نتائج لافتة.
وأضاف أن الصوت الفلسطيني بات حاضرًا بقوة في الدنمارك وسويسرا، وأصبح عاملًا مؤثرًا في تشكيل الخطاب السياسي الأوروبي.
وأكد الزير أن السردية الفلسطينية تشهد تقدمًا واضحًا ومستدامًا، ولم تعد مرتبطة فقط بلحظة العدوان، بل تحولت إلى وعي طويل الأمد في الشارع الأوروبي.
وأوضح أن مجالات التأثير الخمسة الأساسية، السياسي والحقوقي والشعبي والإعلامي والإنساني، تشهد جميعها تقدمًا متوازيًا لصالح القضية الفلسطينية.
وسجل دعمًا نقابيًا وإنسانيًا ملموسًا، من خلال وفود أطباء ومهندسين فلسطينيين وعرب من أوروبا، ساهموا في دعم غزة صحيًا وتعليميًا.
وشدد الزير على أن ما يجري لا يمثل انقلابًا كاملًا في الموقف الأوروبي، لكنه يشكل اختراقًا غير مسبوق يحتاج إلى استثمار ورعاية منظمة.
وأكد أن المسؤولية الأولى تقع على الفلسطينيين، رسميًا وفصائليًا، إضافة إلى المؤسسات العابرة للحدود والجاليات والناشطين.
وأشار إلى أن الاحتلال يحاول استعادة بعض نفوذه في أوروبا، لكنه يواجه تقدمًا استراتيجيًا يصعب التراجع عنه.
وختم الزير بالقول إن شعبنا دفع ثمنًا باهظًا، لكن هذه التضحيات أثمرت تحولات حقيقية في مسار القضية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة، بعد وقف العدوان، تتطلب خطة شاملة لإغاثة غزة، وإعادة الاعتبار للمرجعية الوطنية الفلسطينية، وترسيخ حق المقاومة كخيار مشروع في مواجهة الاحتلال، وصولًا إلى التحرير والعودة.