آمنة… الطفلة التي نجت وحدها من بيتٍ أبادته الطائرات

الرسالة نت - خلص


كانت الطفلة آمنة الهرش، التي لا يتجاوز عمرها سبع سنوات، ممدّدة على سريرٍ أبيض في غرفة العناية المركزة داخل مستشفى الشفاء بغزة. على جبينها، كُتبت عبارة قصيرة وقاسية: “مجهولة الهوية”. لم تكن تعي ما الذي حدث، ولا لماذا اختفى صوت أمها، ولا أين ذهب البيت الذي كانت تنام فيه بين إخوتها.

في الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قصف الاحتلال منزل العائلة في شمال قطاع غزة. خلال لحظات، استشهد والد آمنة ووالدتها، وإخوتها، وجدتها، وعشرة آخرون من أقاربهم من العائلة نفسها. مجزرة كاملة، لم ينجُ منها أحد… أو هكذا بدا المشهد.
يقول جدّها بصوتٍ مثقل بالحزن:

“بتنا تلك الليلة نبحث، وعندما انكشف الصباح اكتشفنا أن كل العائلة قد استشهدت. كنا نعدّ الشهداء واحدًا واحدًا، لكن آمنة لم تكن بينهم”.

كان القصف مستمرًا، والموت يلاحق كل من يحاول الوصول إلى الركام. البحث تحت الأنقاض كان شبه مستحيل. مرّ يوم كامل، والطفلة مفقودة، لا خبر عنها.
بعد يوم، جاءت قريبة العائلة؛ وهي حكيمة، تعمل في مستشفى الشفاء، لتخبر هم أنها رأت طفلة تُشبه آمنة نُقلت إلى المستشفى وهي في حالة حرجة ، عندها فقط، بدأت خيوط الحكاية تتضح. هرع أقاربها لرؤيتها، وتأكدوا أنها آمنة… الناجية الوحيدة.

كانت قد انتُشلت من تحت الأنقاض على يد طواقم الدفاع المدني، ونُقلت إلى المستشفى الإندونيسي، ثم حُوّلت إلى مستشفى الشفاء. طوال تلك الرحلة، كانت عائلتها تبحث عنها، فيما كانت تصارع الموت وحيدة، بلا اسم، بلا قصة.
بعد أشهر من الغيبوبة والعلاج، لم تحتج آمنة إلى أسئلة كي تُعرّف بنفسها. تقول لكل من يقترب منها، وبصوتٍ طفولي حاسم:

“أنا اسمي آمنة، عمري سبع سنين. قصفوا البيت المهدّم… وأنا الناجية الوحيدة.”

مكثت آمنة شهورًا في العناية المركزة. طفلة بشعرٍ أشقر وملامح بريئة، بيدٍ محترقة، وإصابة بالغة في الرأس. تجاوزت الألم، ونجت، لكنها خرجت بذاكرةٍ مثقلة بالخسارة.

وبعد استشهاد والديها وإخوتها، تكفّل بها جدّاها لأمّها، اللذان يرافقانها اليوم في رحلة وجع وعلاج وألم في الذاكرة، ويحاولان أن يمنحاها ما تبقّى من الأمان بعد أن فقدت أسرتها بالكامل؛ وهي طفلة  من 39 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، في واحدة من أكبر أزمات اليُتم في التاريخ الحديث.

اليوم، تحتاج آمنة إلى عدة عمليات تجميلية، وإلى دعم نفسي مستمر. تنظر أحيانًا من بعيد إلى القصف المتواصل، وإلى بيتها المهدّم، إلى المكان الذي كان يومًا عالمها الصغير. طفلة نجت من الموت، لكنها تحمله داخلها.