غزة، التي يظنها العالم هامشًا بعيدًا، هي في الحقيقة قلب الحقيقة النابض، اختبارٌ يومي للعدالة، ومرآة تُعري كل من يدّعي الإنسانية وهو يمرّ من فوق الدماء دون أن تبلل قدمه بالعار.
عجز العالم عن الفعل، عن الصراخ، عن الانتصار للحق في وضح النهار.
أُسدل الصمت ستائره على ضجيج المجازر، واكتفى البعض بمواقف خجولة، وبيانات لا تردع رصاصة ولا توقف نزيفًا
الركام هناك ليس مجرد حُطام، بل شهادة ميلاد جديدة لمن تبقّى، ودليل حيّ على أن الحياة في غزة تُنتزع انتزاعًا من بين فكي الموت.
أمٌ تُلملم أشلاء أطفالها وتلفّها بالكوفية، تُقيم صلاة الجنازة بقلبها قبل أن تهمس: "سنُكمل الطريق".
طفلٌ فقد عينيه، لكنه يحفظ تفاصيل الوطن بذاكرة الدم والرماد، يرسمه ببقايا قلم وكثير من الحنين.
وشابٌ يودّع أهله على عجل، يمضي ليحرس ليل المدينة بجسده، مؤمنًا أن الصمت لا يحمي، وأن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع.
المباني تُهدم، والأجساد تُمزق، والسماء تمطر نارًا، بينما العالم يراقب من خلف شاشاته، يَعُدّ الضحايا كما تُعد الأرقام في نشرات الأخبار، لا كأنهم أرواح، لا كأن بينهم أطفالًا ناموا دون أن يعرفوا أنهم لن يستيقظوا.
فإلى كل من بقي فيه نبض، إلى كل من يرى ويسمع ويشعر، هذا وقتُ الحقيقة لا المجاملة، وقتُ المواقف لا الأعذار.
غزة لا تحتاج دموعًا تُذرف في العتمة، بل وقفة صادقة تُواجه القاتل وتُدين الجريمة دون مواربة.
كل لحظة صمت توازي رصاصة، وكل حياد خيانة.
فإما أن تكون مع الحياة، مع الإنسان، مع الحق، أو أن تُصنَّف في قافلة المتفرجين الذين لم يهزموا سوى ضميرهم.
غزة ليست قصة تنتهي، ولا خبرًا يُنسى، بل وعدٌ لا يسقط، وقضية لا تموت، ما دام فيها من يُقاوم، وما دام فينا من يُؤمن.
وغزة، رغم كل جرح، تكتب من وجعها قصيدة بقاء، وتُعلّم من على خطوط النار أن الكرامة لا تُفاوض، وأن الشعوب الحيّة لا تُهزم حتى وإن سقطت ألف مرة.