في وقت يتزايد فيه اعتماد الفلسطينيين على الطاقة الشمسية كحل عملي لتخفيف أعباء فواتير الكهرباء والمحروقات، أثار قرار فرض رسوم شهرية جديدة على مستخدمي أنظمة الطاقة الشمسية في الضفة الغربية موجة واسعة من الجدل والقلق في الأوساط الشعبية والاقتصادية.
فالطاقة التي كانت تقدّم باعتبارها مخرجا من أزمة التكاليف المرتفعة، باتت اليوم مهددة بأن تتحول إلى خيار أقل جاذبية مع دخول أعباء تنظيمية ومالية إضافية على الخط.
ويأتي هذا القرار في لحظة حساسة يعيش فيها المواطن في الضفة ضغوطا اقتصادية متراكمة، تتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة وتذبذب أسعار الطاقة وضعف القدرة الشرائية وتنامي الاعتماد على مصادر كهرباء مستوردة.
وفي مثل هذا الواقع، ينظر كثيرون إلى الطاقة الشمسية ليس كخيار رفاهي أو استثماري فحسب، بل كوسيلة صمود يومية تقلل فاتورة الأسرة أو المنشأة وتوفر قدرًا من الاستقلالية في مواجهة الأزمات.
رسوم على الشمس
وخلال العامين الأخيرين، شهدت الضفة الغربية توجها متسارعا نحو أنظمة الطاقة الشمسية، سواء على مستوى المنازل أو المنشآت التجارية والصناعية مدفوعا بارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات والحاجة إلى بدائل أكثر استقرارا وأقل كلفة على المدى البعيد.
هذا التحول لم يكن مجرد خيار تقني بل أصبح جزءا من استراتيجيات الأسر والمؤسسات لتقليل النفقات وتفادي تقلبات سوق الطاقة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الإقبال على أنظمة الطاقة الشمسية ارتفع بنسبة تجاوزت 270%، مع تسجيل نحو 2700 طلب حاليا مقارنة بـ 100 طلب فقط خلال العام الماضي، في مؤشر واضح على اتساع الاعتماد على الطاقة المتجددة كخيار اقتصادي ضروري.
كما أن هذا الارتفاع يعكس تنامي وعي المواطنين بأهمية تنويع مصادر الطاقة وتقليل التبعية للكهرباء التقليدية.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية في ظل اعتماد الفلسطينيين في الضفة على استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الكهرباء، وهو ما يجعل ملف الطاقة من أكثر الملفات حساسية على المستويين الاقتصادي والسيادي.
وتؤكد تقارير البنك الدولي أن الأراضي الفلسطينية تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الكهرباء، فيما تشير دراسات وتقارير سابقة إلى أن حصة كبيرة من الاستهلاك تأتي من الخارج، ما يعزز الحاجة إلى توسيع الاعتماد على البدائل المحلية، وعلى رأسها الطاقة الشمسية.
نظام مثير للجدل
الجدل الحالي جاء بعد نشر دليل إرشادي ينظم آليات ربط مشاريع الطاقة المتجددة على شبكات الكهرباء ضمن نظام "صافي الفوترة"، وهو النظام الذي يسمح للمشترك بإنتاج الكهرباء لتغطية استهلاكه الذاتي، مع إمكانية تصدير الفائض إلى الشبكة مقابل تسوية مالية دورية.
وبموجب هذا النظام، فُرضت رسوم شهرية ثابتة على المشتركين تحتسب وفق قدرة النظام الشمسي ونوع الاشتراك.
وتبلغ الرسوم، في الأنظمة التي لا تشمل وحدات تخزين، 5 شواكل للمشترك المنزلي و11 شيكلا للتجاري و7 شواكل للصناعي و6 شواكل لمشتركي الجهد المتوسط.
أما في حال استخدام أنظمة تخزين الطاقة، فترتفع الرسوم إلى 13 شيكلا للمنزلي و20 شيكلا للتجاري و13 شيكلا للصناعي و9 شواكل للجهد المتوسط.
ولا تتوقف الأعباء عند هذا الحد، إذ يتضمن النظام كذلك رسوما إضافية تشمل تقديم الطلب والفحص الفني وربط المشروع بالشبكة، سواء عند الإنشاء أو عند طلب زيادة القدرة، فضلا عن أن هذه الرسوم لا تشمل ضريبة القيمة المضافة، مع الإشارة إلى أنها قد تخضع للمراجعة والتعديل دوريا.
ومن الناحية التنظيمية، قد تبدو هذه الرسوم جزءا من عملية ضبط فني وإداري للسوق، لكن من الناحية المجتمعية، يراها كثيرون بداية لكلفة متصاعدة قد تقلل من الجدوى الاقتصادية للطاقة الشمسية.
وتكمن جوهر المشكلة في أن الطاقة الشمسية بُنيت جاذبيتها أساسا على قدرتها على تخفيف الفاتورة الشهرية. "فالمواطن الذي يقرر تركيب نظام شمسي غالبا ما يدخل في التزام مالي كبير منذ البداية، سواء عبر الشراء المباشر أو القروض أو الأقساط، على أمل أن يسترد الكلفة خلال سنوات قليلة عبر خفض فاتورة الكهرباء".
لكن مع فرض رسوم شهرية ثابتة ورسوم تشغيل وربط وفحص، يشعر كثير من المواطنين أن فكرة التوفير نفسها بدأت تتآكل تدريجيا، وقد لا تبدو المبالغ الشهرية كبيرة على الورق إلا أنها بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود أو المشاريع الصغيرة قد تشكل عبئا نفسيا وماليا إضافيا، خصوصا حين تتراكم مع أقساط التركيب والصيانة والبطاريات وارتفاع تكاليف المعيشة عموما.
كما أن هذه الرسوم قد تربك الحسابات الاقتصادية للمستثمرين الصغار وأصحاب المحال التجارية والمنشآت الإنتاجية الذين اتجهوا إلى الطاقة الشمسية لتقليل كلفة التشغيل.
وفي بيئة اقتصادية هشة، فإن أي تكلفة جديدة قد تدفع البعض إلى تأجيل قرارات الاستثمار أو تقليص القدرة المركبة أو حتى التراجع عن الفكرة بالكامل.