لقاء حماس–فيدان: تثبيت سياسي للمرحلة الثانية من اتفاق غزة ودور تركي يتجاوز الإغاثة

لقاء حماس–فيدان: تثبيت سياسي للمرحلة الثانية من اتفاق غزة ودور تركي يتجاوز الإغاثة
لقاء حماس–فيدان: تثبيت سياسي للمرحلة الثانية من اتفاق غزة ودور تركي يتجاوز الإغاثة

أنقرة– خاص الرسالة نت

لا يمكن قراءة لقاء وفد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بمعزل عن التطورات المتسارعة التي تشهدها المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ولا عن الحراك الدبلوماسي التركي المتصاعد في المحافل الدولية.

 فاللقاء جاء في توقيت سياسي حساس، يعكس انتقال الاتفاق من حيّز التفاهمات النظرية إلى مرحلة التطبيق العملي، بما يحمله ذلك من تحديات وضغوط ومحاولات تعطيل.

وخلال اللقاء، بحث الجانبان تطورات الأوضاع الميدانية والسياسية في غزة، في ظل مخاوف متزايدة من تراجع الاحتلال عن التزاماته، وهو ما دفع إلى التأكيد على ضرورة توفير ضمانات دولية تحول دون انهيار المرحلة الثانية، التي لا تقتصر على الشق الإنساني، بل تشمل أبعادًا سياسية وأمنية تتعلق بوقف العدوان وفتح المعابر .

محاولة الضمان

يشير توقيت اللقاء إلى رغبة تركية واضحة في الانتقال من دور الإدانة السياسية والدعم الإنساني إلى محاولة لعب دور الضامن السياسي، عبر تكثيف الحراك في مجلس الأمن والمؤسسات الدولية ذات الصلة. فقد شدد الجانبان على أهمية استمرار هذا الحراك، باعتباره أداة ضغط على الاحتلال لمنع التهرب من استحقاقات الاتفاق، في ظل عجز واضح للمنظومة الدولية عن فرض التزامات ملزمة حتى الآن.

وتسعى أنقرة، وفق هذا المسار، إلى ترسيخ صورة مفادها أن دعمها لغزة لا يقتصر على المساعدات والإغاثة، بل يمتد إلى الدفاع عن الحقوق السياسية للفلسطينيين، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية التركي بتأكيده أن موقف بلاده “منهجي وثابت”، وليس رد فعل ظرفيًا مرتبطًا بتطورات آنية.

المرحلة الثانية

أحد أبرز محاور اللقاء تمثل في التأكيد على أن المرحلة الثانية من اتفاق غزة دخلت حيّز التنفيذ، ولم تعد مجرّد إطار تفاوضي مؤجل. هذا التأكيد يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ يعكس خشية من محاولات إعادة تعريف الاتفاق بوصفه ترتيبات إنسانية مؤقتة، بدل اعتباره مسارًا سياسيًا يهدف إلى إنهاء العدوان وتثبيت التهدئة بشروط واضحة.

وفي هذا السياق، شدد وفد حماس على ضرورة وجود ضمانات دولية حقيقية، تحول دون استخدام الملف الإنساني كأداة ضغط أو كبديل عن الحقوق السياسية لسكان القطاع. فالفصل بين البعدين الإنساني والسياسي – وفق رؤية الحركة – يعني عمليًا إبقاء جذور الأزمة قائمة، وتحويل الإغاثة إلى آلية لإدارة الكارثة لا لإنهائها.

 رهان على الدور التركي

ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن اللقاءات المتكررة لحركة حماس خلال الحرب أو في الفترة التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار تندرج في إطار دعم الجهود العربية والإسلامية والدولية لإيجاد حل دون الاحتلال، وإجباره على الالتزام بتطبيق بنود الاتفاق في قطاع غزة.

ويقول أبو قمر إن التوجه الملحوظ نحو تركيا في هذه المرحلة، سواء عبر لقاء وزير الخارجية أو نائب الوزير، يعكس إدراك حماس للدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه أنقرة، لا سيما في المحافل الدولية مثل مجلس الأمن. ويشير إلى أن تركيا أبدت استعدادها لأن تكون جزءًا من قوة السلام الدولية التي قد تنتشر في غزة، وهو ما ترفضه إسرائيل، في وقت تتحدث فيه تقديرات عن ضغوط أمريكية باتجاه إشراك تركيا في هذا المسار.

ويوضح أبو قمر أن حماس ترى في الدور التركي إمكانية إحداث تأثير مباشر على الأرض، سواء عبر الضغط التركي على الولايات المتحدة لإجبار الاحتلال على الالتزام ببنود الاتفاق الذي جرى التوافق عليه سابقًا بحضور عدد من قادة الدول في شرم الشيخ، أو عبر دور تركي محتمل داخل قطاع غزة من خلال المشاركة في قوة السلام الدولية.

ويشدد على أن هذه القوة – من وجهة نظر الحركة – يجب أن تقتصر مهمتها على مراقبة وقف إطلاق النار، دون أن تكون جزءًا من أي ترتيبات لنزع السلاح.

كما يشير إلى أن وجود وزير الخارجية التركي ضمن المجلس التنفيذي الذي تشكّل مؤخرًا يمثل عامل دعم إضافيًا لحماس، إذ يمكن استثمار الصوت التركي إلى جانب الأصوات العربية لتعزيز الموقف الداعي إلى استعادة الحياة الطبيعية في غزة، وتسريع عملية الإعمار، وتسهيل فتح المعابر، وضمان انسحاب الاحتلال من المناطق التي أعاد التوغل فيها، ولا سيما ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".

ويختم أبو قمر بالقول إن حماس تسعى إلى استثمار علاقاتها في المحيط العربي والإقليمي لضمان تنفيذ بنود اتفاق غزة كما تم التوافق عليها، ومنع أي محاولة إسرائيلية للتهرب من الالتزامات، معتبرًا أن هذه الجهود تصب في المقام الأول في المصلحة الوطنية لسكان قطاع غزة.

دلالات إقليمية 

يحمل اللقاء أيضًا دلالات إقليمية، في ظل سعي تركيا إلى إعادة تموضعها في ملف القضية الفلسطينية، بعد سنوات من التراجع النسبي في التأثير المباشر. فاستضافة وفد حماس في هذا التوقيت توجّه رسالة مزدوجة: الأولى إلى المجتمع الدولي بأن أنقرة ما زالت طرفًا فاعلًا في معادلة غزة، والثانية إلى الاحتلال بأن محاولات فرض وقائع سياسية جديدة ستواجه بتحركات دبلوماسية مضادة.

كما يعكس اللقاء إدراكًا تركيًا بأن المرحلة الثانية من الاتفاق تمثل مفترق طرق: إما أن تتحول إلى مدخل لتثبيت تهدئة طويلة الأمد بضمانات دولية، أو أن تنهار تحت ضغط التعطيل السياسي والميداني، ما يعيد المشهد إلى دائرة التصعيد.

يمكن القول إن لقاء وفد حماس بوزير الخارجية التركي يشكل محاولة سياسية لتثبيت المرحلة الثانية من اتفاق غزة بوصفها مسارًا سياسيًا لا مجرد هدنة إنسانية، مع تحميل المجتمع الدولي مسؤولية توفير الضمانات اللازمة لاستمرارها.

كما يعكس اللقاء سعيًا تركيًا لاستعادة دور أكثر فاعلية في الملف الفلسطيني، عبر الجمع بين الدعم السياسي والتحرك الدبلوماسي، في وقت تحاول فيه حماس توظيف علاقاتها الإقليمية لضمان تنفيذ الاتفاق كما هو، بما يخدم المصلحة الوطنية لسكان قطاع غزة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير