كيف شلّ نقص العملات الصغيرة حياة مليوني إنسان في غزة؟

كيف شلّ نقص العملات الصغيرة حياة مليوني إنسان في غزة؟
كيف شلّ نقص العملات الصغيرة حياة مليوني إنسان في غزة؟

الرسالة نت- خاص

تحذّر سلطة النقد الفلسطينية من انهيار متسارع في المنظومة النقدية بقطاع غزة، في ظلّ استمرار منع إدخال السيولة الجديدة، وتوقف عمليات استبدال العملات التالفة، وتراجع الفئات النقدية الصغيرة إلى مستويات غير مسبوقة. 

ووفق بيانات رسمية، فإن الغالبية العظمى من النقد المتداول في القطاع ينحصر في الفئات الكبيرة، بينما تكاد العملات الصغيرة تختفي من السوق، ما أحدث فجوة حادة بين امتلاك المال والقدرة الفعلية على استخدامه.

هذا الخلل البنيوي لم يعد مسألة مصرفية تقنية، بل تحوّل إلى أزمة معيشية يومية. في الأسواق الشعبية، باتت الورقة النقدية الكبيرة مرفوضة في كثير من الأحيان، ليس لقيمتها، بل لعدم قدرة التجار على فكّها. 

اليوم كثيرون يمتلكون المال لكنهم يعجزون عن شراء أبسط الاحتياجات؛ آباء يعودون إلى خيامهم دون طعام، وعمّال يقطعون مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، وأمهات يُجبرن على شراء سلع لا يحتجنها فقط لتجاوز معضلة «الفكة».

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعطلت دورة المال الطبيعية بشكل شبه كامل. البنوك أغلقت أبوابها، وإدخال الأموال الجديدة مُنع، فيما تعرّض النقد المتداول لتلف واسع نتيجة التداول القسري وظروف النزوح وسوء التخزين. 

تقديرات اقتصادية تشير إلى أن أكثر من 70% من الأوراق النقدية في القطاع باتت تالفة بدرجات مختلفة، ما دفع التجار إلى تجنبها أو فرض خصومات عليها، ورفع الطلب بشكل حاد على العملات المعدنية والفئات الصغيرة.

في هذا السياق، لم تعد المشكلة نقص السيولة فحسب، بل غياب الوسيط النقدي القابل للتداول. سائقو مركبات يرفضون الركاب دون فكة، وباعة يشترطون الشراء بالقيمة الكاملة، وسماسرة يفرضون عمولات مرتفعة مقابل فك الأوراق الكبيرة.

بعض المواطنين اضطروا للتنازل عن جزء من رواتبهم الشهرية مقابل الحصول على فكة، فيما نشأت سوق موازية تُباع فيها مائة شيكل مقابل خمسة وثمانين شيكلًا فقط، في واحدة من أكثر صور الأزمة قسوة.

مع تعمّق الأزمة، ظهرت بدائل غير رسمية لإبقاء السوق حيًا. إيصالات دَين تُكتب يدويًا وتُستخدم داخل البسطة نفسها، مقايضات بين الجيران، وتخزين فكة لدى تجار الوقود مقابل خصومات مسبقة. هذه الحلول، رغم هشاشتها، أصبحت جزءًا من الواقع اليومي، وتعكس حجم الفراغ الذي تركه غياب أي تدخل مؤسسي فعّال.

الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر يصف ما يحدث بأنه «أزمة دفع مُركّبة» تتجاوز مفهوم نقص الفكة التقليدي.

ويقول إن الطلب على العملات المعدنية ارتفع بأكثر من 300% خلال الأشهر الأخيرة، في حين زاد اعتماد التجار على الدفع الإلكتروني بنسبة 64% مقارنة بما قبل الحرب.

غير أن هذا التحول، بحسبه، ظلّ محدود الأثر بسبب القيود البنكية، وتأخر التحويلات، ومخاوف التجار من تجميد حساباتهم أو مساءلتهم، ما دفع بعضهم إلى الاتجار بالنقود التالفة التي تُباع أحيانًا بنصف قيمتها، في مؤشر خطير على تآكل الثقة بالعملة الورقية نفسها.

ويحذّر أبو قمر من أن السوق في غزة لم يعد يعمل وفق نظام اقتصادي واضح، بل وفق منطق الضرورة.

«نحن أمام نظام دفع بديل وغير رسمي، تشكّل تحت الضغط، وتشارك فيه الفكة، والنقود التالفة، والدفع الإلكتروني، دون أي جهة تنظمه أو تحمي أطرافه»، يقول، معتبرًا أن استمرار هذا الوضع يهدد ما تبقى من النشاط التجاري.

قانونيًا، يرى مختصون أن منع إدخال السيولة إلى غزة يشكل انتهاكًا صريحًا للاتفاقيات الدولية، ويُصنّف ضمن العقوبات الجماعية المحظورة، كونه يمسّ الحق في الوصول إلى نظام نقدي فعّال يتيح للمدنيين تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وبموجب بروتوكول باريس، تقع مسؤولية إدخال العملات واستبدال التالفة على الاحتلال الإسرائيلي، فيما تُطالب سلطة النقد بممارسة ضغط فعلي لضمان ذلك، دون نتائج ملموسة حتى الآن.

ويجمع اقتصاديون على أن الخروج من هذه الدوامة يتطلب خطة طوارئ نقدية تشمل استبدال العملات التالفة، وضخ فئات نقدية صغيرة، وتسهيل فتح حسابات للتجار الصغار، وتخفيف القيود على التحويلات الإلكترونية.

دون ذلك، ستبقى الأسواق الغزية تتحرك وفق منطق الأزمة، وسيبقى المال — مهما توفر — عاجزًا عن أداء وظيفته الأساسية، فيما تتحول «الفكة» إلى أكثر العملات قيمة في قطاع يعيش على حافة الانهيار الاقتصادي.