جرحى غزة بلا علاج ومرضى ينتظرون فتح المعابر

خاص-الرسالة نت

لم يعد الحديث عن القطاع الصحي في غزة يقتصر على التحذير من التدهور أو التنبيه إلى نقص الإمكانات، بل بات الحديث اليوم يدور حول انهيار شبه كامل لمنظومة الرعاية الصحية في ظل استمرار الحرب وتعطل إدخال المستلزمات الطبية والأدوية ورفض الاحتلال الإسرائيلي فتح المعابر أمام الجرحى والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل خارج القطاع.

فالمستشفيات والمراكز الصحية التي تعمل بإمكانات محدودة منذ أشهر طويلة، تواجه اليوم ضغطا غير مسبوق مع تزايد أعداد الجرحى ونفاد الأدوية الأساسية وتراجع القدرة على إجراء العمليات الجراحية أو متابعة الحالات الحرجة والمزمنة في وقت يعيش فيه أكثر من مليوني فلسطيني أوضاعا إنسانية قاسية، وسط تفاقم النزوح وانعدام مقومات الحياة الأساسية.

وفي قلب هذه الأزمة، تقف آلاف العائلات الغزية أمام مشهد يومي قاسٍ، تتابع فيه تدهور أوضاع أبنائها الصحية دون قدرة على إنقاذهم، فيما تتصاعد مناشدات المؤسسات الدولية والإنسانية بضرورة إدخال الإمدادات الطبية وفتح المعابر، غير أن تلك النداءات ما تزال تصطدم بتعقيدات سياسية وميدانية تزيد من عمق الكارثة الإنسانية في القطاع.

انهيار كامل

وتتجه المنظومة الصحية في قطاع غزة نحو الانهيار الكامل في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية ومنع سفر الجرحى والمرضى لتلقي العلاج خارج القطاع، في وقت تتفاقم فيه الاحتياجات الطبية والإنسانية بشكل متسارع، وسط استمرار العمليات العسكرية وتزايد أعداد الضحايا.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن المستشفيات في غزة لم تعد قادرة على الاستجابة للاحتياجات الأساسية للمرضى والجرحى، في ظل النقص الحاد في الأدوية وتعطل كثير من الأجهزة الطبية وانعدام القدرة على توفير التدخلات الجراحية والعلاجية اللازمة لعدد كبير من الحالات الخطيرة.

كما أن الكوادر الطبية نفسها تعمل تحت ضغط هائل، في ظروف بالغة الصعوبة مع نقص الإمكانات وتزايد أعداد المصابين بشكل يومي.

وتعكس القصص الإنسانية المتزايدة حجم المأساة التي يعيشها السكان، حيث تحول المرض أو الإصابة في غزة إلى معركة بقاء مفتوحة على المجهول، في ظل غياب العلاج وتعطل التحويلات الطبية، ما يضع آلاف الجرحى والمرضى وخاصة الأطفال أمام خطر الموت البطيء أو الإعاقة الدائمة.

وتجلس المواطنة سعاد عبد الله يوميا قرب طفلتها المصابة، تراقب وجعها بصمت، فيما يزداد القلق في قلبها مع كل يوم يمر دون أن تصل الموافقة على التحويلة الطبية أو يُفتح المعبر أمام مغادرتها للعلاج.

وتقول سعاد إن طفلتها البالغة من العمر 9 سنوات تعاني من إصابة خطيرة في البطن، بعد أن اخترقت شظية جسدها الصغير خلال قصف استهدف المنطقة التي كانت فيها العائلة في أغسطس/آب 2025.

وتضيف سعاد بصوت مثقل بالخوف: "كل يوم يزداد وضع طفلتي سوءًا، وننتظر فتح المعبر ومغادرتها بفارغ الصبر، الأطباء قالوا إنها بحاجة إلى علاج وتدخل خارج غزة، لكننا حتى الآن لا نملك سوى الانتظار".

وتوضح أن ابنتها تعاني من آلام متواصلة ومضاعفات صحية متزايدة، فيما لا تستطيع المستشفيات في القطاع توفير كل ما تحتاجه حالتها المعقدة من رعاية وتشخيص وعلاج.

قيود مستمرة

وفي موازاة هذه الشهادات، تتزايد التحذيرات الدولية من أن استمرار القيود على إدخال المساعدات الطبية ومنع سفر الجرحى والمرضى، يهدد حياة آلاف الأشخاص، خصوصا أولئك الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية معقدة، أو علاج أورام، أو رعاية متخصصة غير متوفرة داخل غزة.

وفي هذا السياق، حذرت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط أدى إلى تراجع اهتمام المجتمع الدولي بقطاع غزة، رغم أن الوضع الإنساني داخل القطاع ما يزال بالغ الخطورة.

وأوضحت أن التطورات الإقليمية الأخيرة، خاصة اتساع نطاق الحرب في المنطقة، ساهمت في تحويل الأنظار بعيدا عن غزة، حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

وبينت أن الجيش الإسرائيلي يواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار بشكل شبه يومي، ما أسفر عن استشهاد 713 فلسطينيا وإصابة 1943 آخرين، وفق بيانات وزارة الصحة في القطاع.

وأضافت أن القصف المستمر يتزامن مع قيود مشددة على إدخال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء، في وقت يعيش فيه نحو 2.4 مليون فلسطيني أوضاعا إنسانية قاسية، من بينهم 1.5 مليون نازح.

كما حذّرت منظمة أطباء بلا حدود من تداعيات القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على إدخال الإمدادات الطبية إلى قطاع غزة، مؤكدة أن تلك القيود تسببت في نقص حاد وخطير يهدد بتقليص، وربما وقف خدمات صحية أساسية في ظل تفاقم الاحتياجات الإنسانية.

وقالت المنظمة، في بيان لها، إن معظم إمداداتها الطبية مُنعت من دخول غزة منذ بداية عام 2026، إلى جانب منع وصول طواقمها الدولية، ما أدى إلى تراجع متسارع في القدرة على تقديم الرعاية للمرضى والجرحى.

وأوضحت المنظمة أن القيود شملت معدات جراحية وأدوية أساسية، بينها مضادات حيوية ومسكنات، فضلًا عن مستلزمات علاج الجروح، الأمر الذي فاقم معاناة آلاف المصابين، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية وارتفاع أعداد الجرحى.

كما أشارت إلى أن الإجراءات المعقدة التي يفرضها الاحتلال تعرقل بشكل كبير تدفق المساعدات الإنسانية، وتتسبب في تأخيرات خطيرة في إيصالها، ما يضطر الطواقم الطبية إلى تقنين استخدام الأدوية، بل ورفض استقبال بعض الحالات بسبب نقص الإمكانات.

وتؤكد "أطباء بلا حدود" أن القطاع الصحي في غزة يواجه ضغطا غير مسبوق، مع حاجة مئات آلاف المرضى إلى خدمات عاجلة تشمل العمليات الجراحية والعلاج طويل الأمد والدعم النفسي، في وقت تعمل فيه المرافق الصحية بإمكانات محدودة تكاد تكون منهارة.

وشددت المنظمة على أن هذه القيود تتعارض مع التزامات (إسرائيل) بموجب القانون الدولي الإنساني، بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، والذي يفرض ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين دون عوائق.

ولا تنفصل أزمة القطاع الصحي عن حجم الدمار الواسع الذي أصاب غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح، إلى جانب دمار طال نحو 90% من البنية التحتية، وفق تقديرات أممية تشير إلى أن إعادة إعمار القطاع قد تحتاج إلى نحو 70 مليار دولار.