يمر القطاع الصحي في غزة بواحدة من أخطر مراحله التاريخية، في ظل تداعيات حرب الإبادة التي لم تترك خلفها فقط دمارا واسعا في البنية التحتية، بل أفرغت المستشفيات من قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المرضى والجرحى، وسط حصار مشدد ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
ومع توقف عدد كبير من المرافق الصحية عن العمل، وتضرر المستشفيات المتبقية جزئيا أو كليا، يجد آلاف المرضى أنفسهم عالقين بين أبواب مغلقة ومعابر موصدة، ينتظرون فرصة سفر أو دواء قد لا يأتي في الوقت المناسب، بينما تتزايد أعداد الحالات الحرجة يوما بعد آخر.
هذا الواقع الصحي المنهار لا يقتصر على المصابين خلال الحرب فحسب، بل يمتد ليشمل مرضى الأمراض المزمنة والأطفال وكبار السن، في وقت تحذر فيه الجهات الطبية من كارثة إنسانية وشيكة، قد تحصد أرواحا كان يمكن إنقاذها لو توفرت الإمكانيات الأساسية للعلاج.
علاج خلف المعابر
منذ أشهر، ينتظر المواطن أحمد أبو صبحة لحظة فتح المعابر للسفر للعلاج في الخارج، بعد أن أُصيب بإصابة بالغة في منطقة البطن خلال حرب الإبادة، ما تركه يعاني من مضاعفات صحية خطيرة تتطلب تدخلا طبيا متقدما غير متوفر داخل غزة.
ويقول أبو صبحة لـ"الرسالة نت" إن وضعه الصحي يزداد سوءا مع مرور الوقت، في ظل نقص الأدوية وعدم القدرة على إجراء الفحوصات اللازمة.
ويضيف: "الأطباء أخبروني أن علاجي غير متوفر هنا، وأن الحل الوحيد هو السفر، لكن المعبر مغلق والانتظار يطول".
ويصف أبو صبحة شعوره بالعجز، مؤكدا أن الألم الجسدي بات يترافق مع ضغط نفسي كبير، في ظل الخوف من تدهور حالته. ويقول: "أشعر أن حياتي معلقة بقرار فتح معبر، وكل يوم يمر دون علاج يعني خطرا أكبر على حياتي".
ولا تختلف معاناة المواطنة أم عادل أبو عون كثيرا، لكنها أكثر قسوة حين تتعلق بطفلها خالد، الذي أُصيب خلال الأسابيع الأخيرة من حرب الإبادة، ويحتاج إلى رعاية طبية مستمرة غير متوفرة في ظل الانهيار الكامل للمنظومة الصحية.
وتقول أم عادل إن الوضع الصحي في غزة انهار بالكامل، مشيرة إلى أنها تواجه صعوبات كبيرة في تأمين العلاج لطفلها، سواء من حيث توفر الأدوية أو إمكانية المتابعة الطبية. وتضيف: "نبحث عن الدواء في كل مكان، وغالبا نعود بلا نتيجة".
وتتابع حديثها بحسرة: "كأم، أشعر بالعجز حين أرى ابني يتألم ولا أستطيع مساعدته، المستشفيات مكتظة والأطباء يعملون فوق طاقتهم، لكن الإمكانيات شبه معدومة"، مؤكدة أن تأخر العلاج قد يترك آثارا صحية دائمة على طفلها.
تحذيرات طبية
بدوره، يؤكد مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة، الدكتور محمد أبو سلمية، أن الوضع الصحي في القطاع بلغ أسوأ مراحله منذ بدء حرب الإبادة، محذرا من انهيار كامل في حال استمرار الحصار ومنع إدخال الإمدادات الطبية.
ويشير أبو سلمية لـ"الرسالة نت" إلى أن أكثر من 70% من الأدوية نفدت بالفعل، بينها أدوية منقذة للحياة، في ظل منع إدخال المستلزمات الطبية، ما يضع الطواقم الطبية أمام خيارات قاسية في التعامل مع الحالات الحرجة.
ويوضح أن المستشفيات المتبقية تعمل بأقل الإمكانيات الممكنة، في وقت تتزايد فيه أعداد المرضى نتيجة تفشي الأوبئة والفيروسات الموسمية، التي أودت بحياة أطفال وكبار سن خلال الأيام الماضية، وسط ضعف القدرة على الاستجابة الطبية.
ويضيف أبو سلمية أن الطواقم الطبية تواصل العمل رغم الاستهداف المباشر والمتكرر، مشيرا إلى استشهاد نحو 1600 من الكوادر الصحية، واعتقال المئات منهم خلال الحرب. ويؤكد أن ما يبقي الطواقم صامدة هو "الواجب الإنساني تجاه شعبهم"، رغم المخاطر الجسيمة.
ويطالب مدير مجمع الشفاء الطبي بضرورة ضغط دولي عاجل لإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، وفتح المعابر أمام المرضى والجرحى، محذرا من سقوط مزيد من الضحايا الذين كان يمكن إنقاذهم لو توفرت الإمكانيات اللازمة.
ويحذر أبو سلمية من أن استمرار إغلاق المعابر، بعد أكثر من عامين من الحرب المتواصلة على قطاع غزة، يعني الحكم على آلاف المرضى بالموت البطيء، في ظل عجز المنظومة الصحية عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الطبية.