في زلة لسان كاشفة، أو ربما في لحظة صدقٍ فاضح، استحضر العميل الحائن غسان الدهيني نموذج "محاكم التفتيش" الإسبانية وهو يهدد أبناء شعبه ويبرر ممارسات مهينة بحق شخصيات وطنية، في خطابٍ أثار موجة غضب واسعة على منصات التواصل، ليس فقط بسبب الإساءة المباشرة، بل لأن المقارنة ذاتها تكشف العقلية القذرة التي ينطلق منها.
فحين يستدعي شخص تاريخًا ارتبط بالحرق والتعذيب والتنكيل بالناس بسبب هويتهم ودينهم، ليهدد به أبناء شعبه المحاصر تحت الاحتلال، فإن المسألة تتجاوز "سجالًا إعلاميًا" أو "رأيًا شخصيًا"، لتتحول إلى انحياز أخلاقي كامل لصف الطغاة عبر التاريخ.
محاكم التفتيش وذاكرة الدم
محاكم التفتيش الإسبانية لم تكن مجرد حدث عابر في كتب التاريخ، بل منظومة قمع ديني وسياسي مارست أبشع أساليب التعذيب والقتل ضد المسلمين وكل من خالف السلطة.
وكانت تقوم على انتزاع الاعترافات تحت التعذيب، والإذلال العلني، والمحاكمات الصورية، والحرق والسجن والنفي، أي أنها تمثل النموذج الأوضح لدولة البطش التي تُجرّم الضحية وتكافئ الجلاد.
ولهذا تحديدًا، فإن استدعاء هذا المثال لا يمكن فهمه إلا بوصفه تعبيرًا عن عقلية انتقامية تستبطن العنف والإقصاء، وتتماهى نفسيًا مع أدوات القهر لا مع قيم الحرية التي يدّعي أصحابها الدفاع عنها.
منطق الخونة
أقوال الدهيني لم تأتِ في فراغ، فهو جزء من موجة تحريض وتشويه تستهدف شخصيات وطنية وقيادات مجتمعية في غزة، عبر الإهانة العلنية والتشهير، وصناعة فيديوهات إذلال تبني سرديات الاحتلال.
وهي أدوات تتطابق، في جوهرها، مع سياسة الاحتلال نفسه: كسر المعنويات، وتشويه الرموز، وضرب الثقة المجتمعية.
هنا يصبح السؤال: كيف يتحول فلسطيني إلى نسخة مصغرة من السجّان الذي يضطهده؟ الإجابة يختصرها التاريخ بكلمة واحدة: الخيانة.
وعبر كل التجارب الاستعمارية، من الجزائر إلى فيتنام إلى جنوب أفريقيا، انتهى المتعاونون دائمًا إلى المصير ذاته: لا الاحتلال يحميهم… ولا شعوبهم تغفر لهم.
فالاحتلال يستخدمهم كأدوات مؤقتة، ثم يتخلص منهم عند أول فرصة، بينما تبقى أسماؤهم وصمة عار في الذاكرة الجمعية.
لم يسجل التاريخ يومًا أن خائنًا تحوّل إلى بطل، أو أن عميلًا أصبح رمزًا، بل على العكس، تبقى أسماؤهم مرادفة للذل، بينما تحفظ الشعوب أسماء المقاومين حتى لو رحلوا.