مقال: أحرارٌ خلف القضبان

أ.محمد عوده الأغا -باحث في الشأن الإقليمي
أ.محمد عوده الأغا -باحث في الشأن الإقليمي

أ.محمد عوده الأغا -باحث في الشأن الإقليمي

لا يُمثّل السجن في العقيدة السياسية الفلسطينية مجرد حيزٍ ماديٍ للعزل أو أداةٍ هندسيةٍ للقمع، بل هو مختبر السيادة الأول وصراع الإرادات الوجودي؛ حيث تتحطم إستراتيجيات التغييب القسري أمام صلابة الوعي الوطني، إذ تتمايز المعادن وتتجلى جوهرية الصراع بين سجانٍ يمتلك أدوات القهر المادية، وأسيرٍ يمتلك فضاءات الحرية المتخيلة والوعي الأخلاقي، ومع حلول الذكرى السنوية ليوم الأسير الفلسطيني، نجدد الكتابة لا لنتحدث عن أرقام عابرة في سجلات الصليب الأحمر، بل لنستحضر العمود الفقري للهوية الوطنية الفلسطينية.

إن السجن هو المكان الذي تتكثف فيه الجغرافيا الفلسطينية الممزقة لتصبح وحدة واحدة خلف الأبواب الموصدة؛ ففي الزنزانة تلتقي يافا بالخليل، وتتعانق غزة مع جنين، في وحدة حالٍ عجزت عنها السياسة وأدركها القيد، ليظل هذا اليوم صرخة حرية تجلجل في سكون الزنازين.

منظومة سجون الاحتلال لم تكن وليدة صدفة أمنية، بل هي وريثة شرعية لمنظومة الاستعمار البريطاني الذي ابتدع "قوانين الطوارئ" و"الاعتقال الإداري" لكسر شوكة الثورات الفلسطينية في الثلاثينيات، ومع احتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية المباركة عام 1967، تحول السجن من أداة للعقاب إلى إستراتيجية للاحتواء الجسدي والنفسي.

تاريخياً، خاضت الحركة الأسيرة مخاضات عسيرة لتحويل "المُعْتَقَل" من مقبرة للأحياء إلى أكاديمية للثورة، ففي السبعينيات والثمانينيات، صاغ الأسرى بدمائهم وأمعائهم الخاوية دساتير منظمة للحياة الاعتقالية، محولين الحرمان إلى معركة وجودية، وإن الحديث عن هذا الجانب من تاريخ الحركة الأسيرة يتطلب منا التوسع الكبير الذي لا يتحمله هذا المقال، فقراءة تاريخ الحركة الأسيرة هي قراءة في تطور العقل الجمعي الفلسطيني؛ حيث انتقل الأسير من حالة الدفاع عن شروط المعيشة (الخبز والملح) إلى مرحلة الهجوم السياسي والمشاركة في صياغة الرؤية الوطنية الكبرى، لذا فإنني أنصح الباحثين للتعمق وتوثيق هذا الجانب من تجربة الأسر.

إن لغة الإحصاء في سياق الأسر الفلسطيني تُعَدُّ وثيقةَ إدانةٍ سياسية وقانونية تفضح منهجية الاحتلال في تطويع الاعتقال كأداة قمع استراتيجية لتقويض الحاضنة الشعبية وتفريغ المجتمع من نخبه الفاعلة.

حتى منتصف آذار/مارس 2026، تشير البيانات الموثقة من "نادي الأسير الفلسطيني" والمؤسسات الحقوقية إلى واقع يزداد قتامة في ظل تغول اليمين المتطرف وسعره المحموم ضد كرامة الإنسان، إذ يقبع اليوم خلف القضبان ما يزيد عن 9,500 أسير، في واحدة من أعلى نسب الاعتقال بالنسبة لعدد السكان في العالم، ويبرز الرقم الصادم لعدد المعتقلين الإداريين الذي وصل إلى 3,442 معتقلاً؛ هؤلاء هم أسرى الوعي الذين يُحتجزون دون تهمة، فقط بناءً على "ملف سري" يمنعهم حتى من الدفاع عن أنفسهم، في تجسيد حي للاستبداد القانوني.

وحتى تاريخنا هذا لا تزال 73 أسيرة يواجهن ظروفاً إعتقالية قاسية، إضافة إلى نحو 350 طفلاً تُنتهك طفولتهم في زنازين لا تراعي صغر سنهم، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي سقط فيه مراراً، ومن المهم الإشارة إلى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة قد ارتفع إلى 323 شهيداً، منهم من قضى بالتعذيب المباشر، ومنهم من ارتقى نتيجة القتل البطيء عبر سياسة الإهمال الطبي المتعمد، وما زال الاحتلال يمعن في ساديته باحتجاز جثامين الشهداء، في محاولة بائسة لمعاقبة الروح بعد مفارقتها للجسد.

ويظل ملف معتقلي قطاع غزة الجرح الأكثر نزفاً وغموضاً في قضية الأسر، حيث استحدثت منظومة الاحتلال أدوات قانونية موازية لعزل هؤلاء الأسرى عن العالم بأسره، فوفقاً لإحصائيات مؤسسات الأسرى المحدثة حتى آذار/مارس 2026، يقبع ما لا يقل عن 1,249 معتقلاً تحت تصنيف ما يسمى "بالمقاتلين غير الشرعيين"؛ وهو توصيف قانوني هجين ابتدعته سلطات الاحتلال لتجاوز اتفاقية جنيف الثالثة والرابعة، بما يتيح لها احتجازهم لفترات غير محددة دون تهمة أو محاكمة، وبمراجعة قضائية صورية تجري كل ستة أشهر خلف أبواب مغلقة.

إلا أن هذا الرقم الموثق ليس سوى قمة جبل الجليد؛ إذ تشير تقارير "الأورومتوسطي" ومنظمات حقوقية دولية إلى وجود آلاف المعتقلين الآخرين (تقدر بعض المصادر أعدادهم بما يتجاوز الـ 4,000 أسير) الذين لا يزالون رهن "الإخفاء القسري" في معسكرات الجيش السرية، وأبرزها معسكر "سدي تيمان" سيئ السمعة، في هذه المنشآت التي تفتقر لأدنى معايير الرقابة الدولية، يواجه المعتقلون ظروفاً توصف بأنها "الجحيم"، حيث توثق إفادات المحررين وشهادات المحامين ما يلي:

 بتر الأطراف والتعذيب الممنهج: سجلت مراكز حقوقية حالات بتر لأطراف معتقلين نتيجة التقييد المستمر بالأغلال الحديدية لأسابيع طويلة، إضافة إلى استخدام الصعق بالكهرباء والكلاب البوليسية.

 الإعدام الميداني والقتل البطيء: ارتفع عدد الشهداء من معتقلي غزة داخل هذه المعسكرات بشكل غير مسبوق؛ حيث وثق مركز "بتسيلم" في تقريره الصادر مطلع 2026 ارتقاء عشرات المعتقلين نتيجة التعذيب الوحشي أو الإهمال الطبي المتعمد، بعيداً عن أي عدسات أو سجلات رسمية.

 التعمية القانونية: ترفض مصلحة السجون وجيش الاحتلال الإفصاح عن أسماء أو أماكن وجود الغالبية العظمى من معتقلي القطاع، مما يحولهم إلى "أشباح" في منظومة قضائية تعمل كأداة لتكريس الإبادة الجماعية وتفكيك النسيج المجتمعي.

إن هذا التوسيع الممنهج لقاعدة "اللا-وجود" القانوني لمعتقلي غزة ليس مجرد إجراء أمني، بل هو فعل سياسي مقصود يهدف إلى تحويل الإنسان الفلسطيني إلى "كائن مستباح" (Homo Sacer) محروم من حماية القانون ومن حق الوجود، مما يضع المجتمع الدولي والمنظومة الحقوقية العالمية أمام أكبر فضيحة أخلاقية في العصر الحديث.

وعودةً لقضية الأسر ككل، لم يكتفِ الأسير الفلسطيني بالصمود السلبي، فقد تحولت السجون إلى دور للنشر وجامعات مفتوحة، إن ما يُعرف بـ "أدب السجون" يعدُّ تأصيلاً فكرياً للهوية، أما الروايات والقصائد التي هُربت عبر "الكبسولات" شكلت رافداً أساسياً للمكتبة الوطنية، ولعل ظاهرة "سفراء الحرية" (النطف المهربة) هي ذروة التحدي البيولوجي والوجودي؛ حيث ينجب الأسير المحكوم بالمؤبد حياةً جديدة من خلف القضبان، معلناً انتصار الحياة على ثقافة الموت التي يحاول السجن فرضها.

وفي الوعي الوطني الفلسطيني يحتل الأسير مرتبة "المقدس الوطني"، هو "المناضل الطليعي" الذي دفع الضريبة الأغلى، هذه المكانة تجعل من قضية الأسرى المحرك الرئيسي للشارع؛ فخروج أسير بعد عقود من الزمن يعد "عيداً وطنياً" لذلك تبذل كل الإمكانات مهما كانت العواقب لفك قيد الأسرى.

تتعامل سلطات الإحتلال مع الأسرى وفق "قوانين عسكرية" جائرة، متجاهلةً صفتهم كأسرى حرب أو معتقلين سياسيين بموجب اتفاقيات جنيف، وإن سياسة العقاب الجماعي المُطَبَّقة اليوم، من حرمان من الزيارات، ومنع للاتصال، وتقليص الوجبات الغذائية، واقتحامات الوحدات القمعية (مثل "المتستادا" و"الدرور")، تمثل جرائم حرب موصوفة، كما أن استمرار هذا التغاضي الدولي يشرعن الغابة على حساب القانون، ويجعل من المنظومة الحقوقية العالمية مجرد حبر على ورق أمام معاناة آلاف الفلسطينيين.

لذا فإن قضية الأسرى الفلسطينيين ليست ملفاً للمساومة أو الابتزاز، بل هي جوهر قضية التحرر الوطني، وإن كل يوم يقضيه الأسير خلف القضبان هو اختبار لضمير العالم ولصلابة الإرادة الفلسطينية، وسوف يبقى الأسرى هم حرّاس الحلم، والضمانة الأكيدة بأن هذه القضية لن تموت ما دام هناك قلب ينبض خلف قضبان الحديد، وعقل يخطط للحرية في عتمة الزنازين.

وختاماً، الأسير الفلسطيني لا ينتظر شفقة من أحد، بل يطالب بحقه الطبيعي في الحرية الذي كفلته الشرائع السماوية والوضعية، وإن زنزانة الأسير، برغم ضيقها، ستبقى أوسع من أفق السجان الذي يحاصره الخوف برغم سلاحه؛ فالحرية في المنظور الفلسطيني ليست مجرد خروج من بوابة السجن، بل هي استعادة للذات وللأرض وللكرامة الإنسانية.