في لحظة إقليمية مشحونة بالتوتر، جاء اغتيال علي لاريجاني ليشكّل نقطة تحوّل حساسة في بنية النظام الإيراني، ليس فقط باعتباره مسؤولًا رفيع المستوى، بل كأحد أبرز العقول السياسية التي جسّدت "البراغماتية الحذرة" داخل منظومة الحكم في طهران.
عُرف لاريجاني بقدرته على التحرك بين الخطاب الأيديولوجي الصلب ومتطلبات السياسة الواقعية، ما جعله لاعبًا محوريًا في إدارة أكثر الملفات تعقيدًا، وعلى رأسها العلاقة مع الولايات المتحدة والملف النووي.
ومع غيابه، لا تفقد إيران شخصية سياسية فحسب، بل تخسر أحد أبرز صمّامات التوازن بين مراكز القوة، وأحد القلائل القادرين على الجمع بين لغة الأمن ومفردات الدبلوماسية.
" علي لاريجاني" مسيرة بين الأمن والسياسة والإعلام
ينتمي علي لاريجاني إلى جيل قيادي تشكّل في أعقاب الثورة الإسلامية، حيث بدأ مسيرته من داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، منضمًا إلى الحرس الثوري الإيراني في سنواته الأولى. ومع مرور الوقت، انتقل إلى أدوار أكثر تعقيدًا، جامعًا بين العمل التنفيذي والإعلامي والسياسي.
شغل لاريجاني مناصب بارزة، أبرزها:
• أمين المجلس الأعلى للأمن القومي (مرتين: 2005–2007، ومنذ أغسطس 2025)
• رئيس مجلس الشورى الإيراني (2008–2020)
• مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية
• وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي في عهد علي أكبر هاشمي رفسنجاني
وقد منحت هذه المواقع المتعددة لاريجاني خبرة مركّبة، إذ لم يكن مجرد سياسي تقليدي، بل رجل دولة يفهم آليات القوة الصلبة (الأمن والعسكر) وأدوات التأثير الناعم (الإعلام والثقافة).
مهندس التوازنات داخل النظام الإيراني
تميّز لاريجاني بقدرته على العمل داخل بيئة سياسية شديدة التعقيد، حيث تتداخل مراكز القرار بين الحرس الثوري، ومكتب المرشد، والمؤسسات المنتخبة. وفي هذا السياق، لعب دور "الوسيط الذكي" الذي يحافظ على توازن دقيق بين هذه القوى.
لم يكن محسوبًا بالكامل على التيار المتشدد، ولا منخرطًا في المعسكر الإصلاحي، بل تموضع في منطقة وسطى أتاحت له التأثير في القرار دون الدخول في صراعات حادة. هذا التموضع جعله مقبولًا لدى أطراف متعددة داخل النظام، وقادرًا على تمرير سياسات حساسة دون إثارة انقسامات داخلية كبيرة.
لاريجاني والمفاوضات النووية: براغماتية تحت سقف العقيدة
برز اسم لاريجاني بشكل خاص عندما تولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي عام 2005، ليصبح كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي. وفي تلك المرحلة، واجهت إيران ضغوطًا دولية متصاعدة، خاصة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
تميّز أسلوبه التفاوضي بعدة سمات:
• المرونة التكتيكية: كان مستعدًا لتقديم تنازلات جزئية لتخفيف الضغوط، دون المساس بالخطوط الحمراء الاستراتيجية.
• إدارة الوقت: استخدم المفاوضات كأداة لكسب الوقت، بما يسمح لإيران بتعزيز موقعها التفاوضي.
• اللغة المزدوجة: جمع بين خطاب حازم موجه للداخل، ورسائل أكثر انفتاحًا تجاه الغرب.
ورغم هذه المقاربة، اصطدم لاريجاني لاحقًا بخلافات داخلية، خصوصًا مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي تبنى نهجًا أكثر تشددًا، ما أدى إلى استقالته عام 2007.
دور محوري في تخفيف التوتر مع الغرب
خلال السنوات اللاحقة، وخاصة مع عودته إلى مواقع متقدمة في الدولة، ظل لاريجاني أحد أبرز الأصوات الداعية إلى استخدام الدبلوماسية كأداة لتخفيف العقوبات الدولية.
فهو لم يكن من دعاة المواجهة المفتوحة، بل كان يؤمن بإمكانية إدارة الصراع مع الولايات المتحدة عبر قنوات تفاوضية، تتيح لإيران الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية مع تقليل كلفة المواجهة.
وفي هذا السياق، نسّق بشكل غير مباشر مع شخصيات بارزة مثل حسن روحاني، الذي قاد لاحقًا مسار الاتفاق النووي، ما يعكس تقاطعًا في الرؤية بين الجناح البراغماتي داخل النظام.
اغتياله وتداعياته: نحو مزيد من التشدد؟
يرى محللون أن اغتيال لاريجاني قد يفتح الباب أمام تحولات داخلية نحو مزيد من التشدد، خاصة مع ترجيحات بتولي شخصيات أكثر صرامة، مثل سعيد جليلي، مواقع متقدمة في إدارة الملف الأمني.
هذا التحول قد يعني:
• تراجع فرص الحوار مع الغرب
• تصاعد نفوذ الحرس الثوري في صنع القرار
• انكماش مساحة البراغماتية داخل النظام
كما أن غياب شخصية مثل لاريجاني، التي كانت قادرة على "ترجمة" مواقف النظام إلى لغة مفهومة دوليًا، قد يزيد من فجوة الثقة بين طهران وواشنطن.