"معول القسام" يواصل حفر الأنفاق بعد الحرب

استمرار حفر أنفاق المقاومة بعد الحرب
استمرار حفر أنفاق المقاومة بعد الحرب

الرسالة نت – محمود فودة

" من فوق الأرض وتحتها .. من لجج البحر وجوها .. من خلف خطوط عدوها .. هبت كما الإعصار " على أنغامها قرقعت آلات الحفر بأيدي مقاتلي كتائب القسام في أحد الأنفاق الهجومية على تخوم قطاع غزة.

كالنحل في خلاياه, توزع كل فرد منهم على رأس عمله, سواعد بدت أشد قوةً بحماس ما أنجزته أنفاقهم في صد العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة, فهم ينظرون بأن كل شبرٍ يحفرونه سيهدر به دم جندي إسرائيلي أو يخطف.

بصعوبة بالغة.. تمكن مراسل "الرسالة نت" من زيارة أحد تلك الأنفاق في منطقة مجهولة بقطاع غزة, وسط إجراءات أمنية مشددة, حفاظًا على السرية التامة التي تمتاز بها أنفاق المقاومة.

 مع إشراقة شمس غزة الصامدة , تجمع أفراد المجموعة القسامية في نقطة على مقربة من فوهة النفق استعدادا للنزول فيه والبدء في العمل, إلا أن  في جدولهم المتعارف عليه يسبق هذه الخطوة وقفة دعاء ورجاء لله تعالى أن يوفقهم في عملهم خلال هذا الجولة.

أبو خالد – اسم مستعار – قائد المجموعة, سمح لمراسل "الرسالة نت" بالحديث سريعًا مع أفراد المجموعة قبيل النزول إلى باطن الأرض والبدء في العمل كسبًا للوقت , إذ يقول: "إحنا بحاجة لكل دقيقة, أمامنا عمل كبير يحتاج لجهود  جميع الأفراد, إضافةً لطول النفس نظرًا لصعوبة العمل في هذا التخصص بكتائب القسام".

يقول القائد القسامي لـ " الرسالة نت " : تحت الأرض بعشرات الأمتار, الوضع مختلف عما هو فوقها, فالعمل لا يتوقف أبدًا ", وحسب قوله أيضًا الحال يكون أينما تولي وجهك فتجد رجالًا يعملون, ينحتون الصخر بمعداتٍ لا توصف إلا بالمتواضعة , مقارنةً بحجم الإنجاز المحقق فعليًا .

أحد أفراد المجموعة بدت ملامحه العشرينية واضحة , تحدث لـ "الرسالة نت" : "الحمد لله الذي أنعم علينا وجعلنا جنودا في تخصص حفر الأنفاق, العمل صعب صحيح , ولكن نتذكر أجرنا عند الله فتهون المتاعب".

حدّثنا أبو خالد عن تاريخ هذا النفق قائلا: "بدأ العمل به قبل عدة أعوام, وفي كل يوم يزداد النفق تحسنًا بزيادة كفاءته وجهوزيته للتخصصات العسكرية كافة التابعة لكتائب القسام", إذ كان العمل يتوقف أحيانًا لصعوبة الظرف الأمني.

كتائب القسام – الجناح العسكري لحركة حماس – أنشأت خلال الثمان سنوات الماضية شبكة أنفاق تتوزع على عدة أشكال فمنها الهجومية الاستراتيجية والدفاعية التكتيكية , تهدف جميعها للتحرك بعيدًا عن أعين الطيران الاسرائيلي, إضافةً لتحقيق ضربات موجعة في صفوف الاحتلال.

وللنفق حكاية في الحرب الأخيرة, إذ يتحدث أبو خالد عن إنجازات عظيمة أرضيتها تمثلت به, بعد ان انطلق من سواده رجال القسام في التصدي لقوات الاحتلال المتوغلة في المناطق الشرقية, وأوقعت فيه إصابات محققة بل وموجعة وفق روايته.

كتائب القسام استخدمت الأنفاق في عدة مهام عسكرية كإطلاق الصواريخ على المدن الاسرائيلية وإمطار مستوطنات غلاف غزة بمئات قذائف الهاون, عدا عن العمليات النوعية خلف خطوط العدو وما أسفر عنها من قتل واسر جنود , وبث الرعب في نفوس مليون إسرائيلي حكاية أخرى!

استمر الحوار مع الجنود القساميين , وزادت معها إثارة الحديث حول الوضع في الأنفاق إذ يقول فردٌ آخر من المجموعة :" نتعرض لصعوبة التنفس نظرًا لطول المسافة التي قطعناها في الحفر, إلا أننا اعتدنا على ذلك " .

بعيدًا عن جدية العمل وصعوبته التي بانت على كفوف المقاتلين وسواعدهم, استمعنا خلال حديث "الرسالة نت" مع أفراد المجموعة بعض قصص المزاح فيما بينهم , يقول أحدهم" بنشتغل بروح الأخوة مع بعض وبيتخلل العمل بعض المزح لتزدان وجوهنا بإبتسامة قد تكون الأخيرة".

رجال هذه الوحدة المتخصصة في حفر الأنفاق يعملون على مدار الساعة في أداء مهامهم, بنظام التناوب بتسلم العمل على التوالي لإنجاز أكبر في وقت أقل. 

"ما بتفكروا يسقط النفق عليكم خلال العمل؟" سؤال طرحه مراسل "الرسالة نت" على جزء من العاملين في مقدمة النفق ليكون ردهم: "أرواحنا فداء للدين ولفلسطين, اللي كاتبه ربنا بيصير، هي لله والشهادة في سبيله، بكون شهيد الإعداد, ويا لها من مكرمة " .

لم يخفِ أبو خالد أن النفق تعرض للقصف خلال العدوان الأخير على غزة, بعد أن رصدت طائرات الاستطلاع مجموعة مقاتلة تتبع للكتائب, وهي تخرج منه للانقضاض على قوة عسكرية إسرائيلية راجلة إلا أن ذلك لم يؤثر على فعالية النفق, إذ تم ترميمه خلال إحدى الهدن الإنسانية التي أبرمت خلال الحرب .

من ضمن الوجوه الحاضرة عرّفنا القائد القسامي على أحدهم ممن عملوا في النفق كمقاتلين خلال الحرب البرية الذي قال:" مكثنا في هذا النفق 12 يوما وقد كتبنا على جدار النفق عبارة إما شهداء تحت التراب وإنها لأمنيتنا, أو أعزاء فوق الأرض بأن يكتب الله على أيدينا النصر" .

 بإنتهاء أبو خالد من جملته , علت أصوات آلات الحفر , معلنةً بدء جولة جديدة من العمل الدؤوب الذي لم يتوقف منذ أن وضعت الحرب أوزارها حسبما يقول قائد المجموعة .

انتهى الحديث إلا أن العمل ما زال , معنويات بدّت تناطح الجوزاء بعظمتها, وهمة رجالٍ لا تعرف الوهن كما بدا , ليختم القائد حديثه برسالة للاحتلال: "سلاحنا وصواريخنا وأنفاقنا بخير, ونحن بإذن الله بخير , وإن عدتم فها نحن".

"إسرائيل" زعمت أنها دمرت غالبية أنفاق المقاومة, إلا أن ما سبق يثبت أنها تتكل بالصحة والعافية, وجاهزية عالية تكفي لإيلام جيش الاحتلال من جديد, على الرغم من تعرض جزء منها للقصف خلال الحرب الأخيرة على غزة .