في الوقت الذي يتمادى فيه المستوطنون في أذية الفلسطينيين بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، تقف أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بالضفة المحتلة كجدار حماية إضافي لأمنهم، وسرعان ما تنطلق قوات السلطة في مناطق سيطرتها لتمنع أيّ "هجوم فدائي" ضد مستعربين أو مستوطنين يدخلون المدن الفلسطينية.
ومنذ بداية أحداث انتفاضة القدس في الأول من أكتوبر العام الماضي، يتجنب أيّ مستوطن دخول المدن الفلسطينية رغم تأكّده أن هناك أجهزة أمنية دورها حمايته إن ضل الطريق إلا أن تسعة مستوطنين دخلوا قبل أيام عبر سيارتين إلى قلب مدينة رام الله فهاجمهم عشرات الشبان وأحرقوا سيارتهم.
لم تمرّ دقائق على الحدث، حيث هرب ثمانية مستوطنين من المكان، لتتدخل قوات الأمن التابعة للسلطة لتأمين المستوطن التاسع وتسلّمه مع الآخرين لقوات الاحتلال، وتهاجم عددا من الشبان الذين اعترضوا على تصرفات الأجهزة التي تعتبر "خيانة لدماء الفلسطينيين".
ليس جديدا أن تعيد الأجهزة الأمنية مستوطنين لقوات الاحتلال، وقد سلّمت منذ سنوات عشرات المستوطنين الذين دخلوا مناطق السلطة، الذين لو طالتهم يد شبان الضفة الثائرين خاصة خلال أيام الانتفاضة الحالية لكانوا إما قتلى أو أسرى لمقاومين لا يرضون الذلّ.
ازدواجية التعامل
وفي المقابل لا تكاد تغيب شمس يومٍ على الضفة، دون أن تسجل أجهزة السلطة نقطة سوداء أخرى في سجلها القاتم، وتنغّص حياة الفلسطينيين وتزيد من سجلات المعتقلين السياسيين في زنازينها الممتلئة أصلا؛ خدمة للاحتلال وسيرا على طريق التنسيق الأمني معه.
ولعل ما يؤكد اهتمام السلطة بأمن المستوطنين أكثر من الخوف على حياة أيّ فلسطيني، تصريح نبيل شعت عضو اللجنة المركزية لحركة فتح أن السلطة الفلسطينية تبذل قصارى جهدها لمنع حدوث انتفاضة ثالثة، وأنها تنفق الاموال لمنع "العنف ضد الإسرائيليين"، أكثر مما تنفقه على الجهاز التعليمي الفلسطيني.
حركة حماس والقوى الوطنية والإسلامية، في مسيرة لها قبل أيام، دعت السلطة إلى وقت الملاحقة والاعتقال بالضفة وإنهاء سياسة التنسيق الأمني المتجذرة في أجهزتها التي تمثل حالة شاذة يرفضها جميع الفلسطينيين، بينما تتجاهل السلطة كل دعوات وقف التنسيق؛ ربما لإدراكها خطورة أن ذلك سيهدد مصالحها.
المحلل السياسي نعيم بارود رأى أن السلطة لا تستطيع إلّا الاستمرار في سياستها الأمنية التعاونية مع الاحتلال، عبر تلك الضمانات بحماية أمن الإسرائيليين قدر الإمكان، خاصة في مناطق سيطرتها.
وقال لـ "الرسالة" إنها تريد أن تبيّن الولاء للاحتلال عبر حماية هؤلاء، واعتقال أيّ فلسطيني قد يخطط لمهاجمة الإسرائيليين. وأضاف أن قيادة السلطة لم تعد تمتلك أي قرارات جريئة تطبقها على أرض الواقع فيما يتعلق بالملف الأمني والتعاون مع الاحتلال، لإنهاء حالة الخذلان الوطني.
واتفق المحلل السياسي نشأت الأقطش من الضفة مع سابقه، حيث أكد أن خيارات السلطة المحدودة مع الاحتلال تدفعها إلى مواصلة الالتزام بالاتفاقيات الأمنية، ومواصلة التنسيق الأمني بين الطرفين.
وتابع "منذ بداية الانتفاضة وقيادة الأجهزة الأمنية تمارس دور إعطاء أوامر الانتشار في الشوارع ونقاط التماس مع الاحتلال؛ لمحاولة وقفها"، وأضاف أن هذا ما يحصل حاليا حيث تضمن السلطة تواجدها الأمني في كل منطقة، كما شهدناه في تأمين المستوطنين برام الله.
والملاحظ من دور السلطة الازدواجية في التعامل مع الفلسطيني والإسرائيلي، إذ تستقوي على المواطنين، من خلال فرض القوة الأمنية بالسلاح، في حين أنها فعليا لا تقوى على حماية الأمن الداخلي، وهو ما ظهر خلال أحداث جنين ونابلس التي قتل فيها 5 مواطنين في شجارات في وقت واحد، حرق خلالها المنازل وانتشر الفلتان الأمني، فيما تسارع لحماية المستوطنين وإعادة لقوات الاحتلال حال تسللهم إلى مدن الضفة.