​قرية كوبر.. في حجارتها اقتباسات بطولة

​غزة-ياسمين عنبر

فوق أراضي قرية كوبر رفع نائل البرغوثي فأسه فحرث أرضًا ما زال حتى اليوم يحلم بالرجوع إليها، قرية على قلة عدد سكانها إلا أنها تحوي رموزًا وأعلامًا سطروا بأرواحهم ودمائهم وزهرات شبابهم أعظم البطولات، ليطلق عليها "قرية الأسرى الفلسطينيين".

فقائمة العظام الذين ًأوجعوا العدو في قرية كوبر، ينضم إليهم مجددًا عمر العبد ليصبح قامة من قافلة الأشاوس أمثال مروان ونائل ومجد البرغوثي، فكوبر اعتادت دومًا أن تخرج من رحمها الأسرى، وتصنع الأبطال في أزقتها الضيقة.

من أزقة حارة "زرقيتة" وهي أول الحارات في قرية كوبر، كتب عمر العبد وصيته ناويًا الشهادة، وخرج لتنفيذ عملية في مستوطنة "حلميش"، هذه المستوطنة التي أقيمت عنوة على أراضي قريته، لكن القدر لم يتوافق مع مخططاته فأضحى جريحًا أسيرًا في أقبية التحقيق الإسرائيلية بعد أن أوجع العدو وعلمه درسًا أن "الأقصى خط أحمر" عند الفلسطينيين عبر عملية أسفرت عن مقتل ثلاثة مستوطنين وإصابة آخرين بجراح.

وكوبر القرية الفلسطينية، التي يشعر أهلها بغرابة اسمها، وكثيرًا ما وضعوا احتمالات لسبب تسميتها، لكنهم لم يتفقوا في النهاية، تقع في الضفة الغربية، على بعد 10.1 كم من شمال رام الله، وهي منطقة جبلية تمتاز بمساحاتها الشاسعة، على ارتفاع 670 مترًا فوق مستوى سطح البحر.

وحين تتجول في قرية كوبر، تبصر عيناك أماكن أثرية ودينية كثيرة تتزين بها كوبر وهي تقف شامخة كشموخ قاطنيها، كمسجد أبو بكر الصديق ومسجد الشهداء، ومسجد الأتقياء، كما كفر فيديا ودوير ومقام الشيخ جميل والدير الجواني التي تعد أماكن أثرية ثمينة في هذه القرية.

عائلات كثيرة تقطن كوبر، أبرزها عائلة البرغوثي التي قدمت للوطن من شبابها ورجالها أسرى فداء له، كما بها عائلات أخرى كريان وبدوان وعامرية، وأكبرها حمولة عائلة زيبار.

كوبر البطولة

قدمت كوبر نحو 15 شهيدًا وعشرات الأسرى الذين يقضون أحكامًا بالسجن المؤبد مدى الحياة، أبرزهم عميد الأسرى الفلسطينيين نائل البرغوثي الذي تحرر في صفقة وفاء الأحرار ثم أعاد الاحتلال اعتقاله، والأسير النائب مروان البرغوثي وكذلك فهد أبو الحج وهلال البرغوثي وغيرهم من الأسرى الذين ما زالوا يقبعون في غياهب السجون.

ما أن تطأ قدماك قرية كوبر، حتى تجد نفسك في حارة "زرقيتة"، هذه الحارة التي جلس عمر العبد تحت ظلال أشجارها، لا ليتفيأ بل ليودع أحبابه فيها ويلقي آخر نظراته على أزقة فيها ذكريات طفولته وصباه وشبابه، قبل خروجه لتنفيذ العملية.

يتخيل عمر وهو يتفحص بعينيه أزقة حارته كيف أنه سيرجع بعد قليل ليحتضن ترابها الذي نضج بين يديه، والذي ضم براءة طفولته وعنفوان شبابه، كما ضم ذكريات رفاقه الذين كبروا سويًا على عشق الأرض. 

وسط حارة زرقيتة، ينتصب مسجد الشهداء بعزة، وهو يخرج أبناءه الأبطال الذين ترعرعوا فيه، ويرى غرسه نارًا على أعداء الأقصى، يقدمون أعمارهم وأرواحهم رخيصة لأجله، هذا المسجد الذي لطالما جلس فيه عمر العبد على موائد القرآن واستند على أحد أعمدته يستمع إلى مواعظ الجهاد.

عبر اتصال هاتفي تحدثت "الرسالة" مع خليل العبد، عم فدائي العملية، الذي عبر عن مدى فخره بأنه من قرية كوبر، كما فخره تمامًا بابن حارة زرقيتة الذي أرعب المحتل.

كالجسد الواحد"

"أتحدى كل العالم لو أن هناك قرية أهلها أكثر تكافلاً من أهل كوبر" يقول خليل بكل فخر وثقة، وهو يخبر "الرسالة" أن مواقف أهل القرية مع عائلتهم مشرفة وكشفت عن طيب أصلهم.

منذ اقتحام القوات الصهيونية القرية ومحاصرتها منزل منفذ العملية عمر العبد اجتمع أهل القرية حوله، صغيرهم وكبيرهم ونسائهم وأطفالهم كدروع بشرية يتصدون للاحتلال، حتى أن كثيرًا من محاولات الاقتحام والدخول للمنزل باءت بالفشل بسبب رشق الجنود بالحجارة واحتدام الاشتباكات وصدهم من قبل أهالي القرية.

كعقاب جماعي لعائلة الفدائي، هددت القوات الصهيونية بهدم المنزل بسبب ما قام به نجلهم، ولم يمض على قرار الهدم شيء حتى بادر أحد أبناء قريتهم بالتبرع بقطعة أرض لهم، ويضيف، "اهل القرية لم يتركونا ولا للحظة، حتى كبار القرية شاركونا في كل شيء".

أهل قرية كوبر الذين عرفوا بتعاضدهم وبما يقال عنهم إنهم كالجسد الواحد، التفوا حول عائلة العبد، وتوحدوا جميعا على قلب رجل واحد، بدءًا من مشاركتهم في التصدي للقوات المقتحمة، وحتى كنس وتنظيف الشوارع بعد الاقتحامات والاشتباكات التي شارك فيها الكبير قبل الصغير، كما يحكي خليل.

منذ اعتقال والدة فدائي العملية، وطلب الاحتلال كفالة مالية بقيمة عشرة آلاف شيكل، بادر أهل القرية بتشكيل لجنة لجمع التبرعات، وجميعهم اشتركوا وجمعوا المبلغ وقدموه للعائلة، ولم يهدأ لهم بال إلا وقد تحررت من سجون الاحتلال ليرسموا بذلك أنبل صورة للتعاضد الفلسطيني.