بـِ"تسونامي" بشري يواجه الفلسطينيون الذكرى السبعين لنكبتهم التي أحلت بهم وشردتهم عن أراضيهم وجعلتهم لاجئين.
قضى أولئك اللاجئين سنوات نكبتهم السبعين في البكاء على الوطن السليب والاحتفال على أنقاض أحزانهم دون أن يبدؤوا حراكًا حقيقيًا للعودة، إلا أن الذكرى السبعين تشهد الحراك الحقيقي لتحقيق "حق العودة" عبر مسيرات العودة الكبرى التي انطلقت في الثلاثين من آذار مارس الماضي وتصل ذروتها اليوم بالزحف الكبير نحو الأراضي المحتلة عام 1948.
ويبدو أن الفلسطينيين أدركوا بعد سبعين عاماً من النكبة والتهجير أن كل الأوهام التي بيعت لهم عن الحلول العربية فلت وباتت الدول العربية تجاهر بعلاقاتها مع الاحتلال والتطبيع دون أن تنتظر حلًا للقضية الفلسطينية، كما أن وهم الدولة والتسوية انتهى باعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وربما وضعت المعطيات الأخيرة الواقع الفلسطيني أمام مفترق طرق خطير من خلال استفراد الاحتلال بكل طرف على حدا، ففي الضفة تبتلع الأرض وفي غزة الحصار الخانق وفي فلسطيني 48 اعتداء وانتهاك ومواطنة منقوصة، ما دفعها إلى المضي في خطواتها الرامية بوضوح إلى تصفية قضيتهم، قبل أن ينتفض قطاع غزة من وسط الحصار والدمار وحرب التجويع ليعيد البوصلة إلى المسار الأول.
غزة التي حمت المشروع الوطني على مدار سبعين عاماً تعود لتتصدر المشهد الوطني كعادتها وتعيد البوصلة نحو التحرير والعودة والحقوق والثوابت الفلسطينية من خلال مسيرات العودة الكبرى التي تزحف اليوم نحو العودة لتؤكد على أن الصراع عاد الي نقطة الصفر وكل مراحل التصفية والوطن البديل لن تمر.
وما يزيد من خطورة الحدث أنه يتزامن مع نقل السفارة الامريكية للقدس والتي من المتوقع أن تدفع نحو مواجهات دامية في كل الأراضي الفلسطينية وخاصة في القدس والضفة عدا عن المسيرات التي يجري التحضير لها بقوة في غزة.
وربما تشكل الذكرى السبعين للنكبة الأهم والأخطر وبدل البكاء والنحيب على الوطن يتخذ الفلسطينيون الخطوات الأهم نحو العودة الحقيقية، والتي تبدأ بإعادة القضية إلى صدارة المشهد الدولي بعدما أصبحت في ذيل اهتماماته.
وأهم ما في زحف العودة اليوم أنه يضع الاحتلال أمام منعطف خطير فمن ناحية لديها قرار سياسي وعسكري بمنع المتظاهرين من الوصول إلى الأراضي المحتلة بأي ثمن وهو ما يتطلب استخدام قوة النار، لكن من ناحية أخرى يدرك الاحتلال أنه كلما ارتفع عدد الشهداء فإن العالم سيلتفت للمأزق ويبدأ في الضغط لوقف المجازر بحق الفلسطينيين، وبالتالي سيقع الاحتلال أمام حرج كبير كون العالم لن يقبل بقتل متظاهرين سلميين يطالبون بحقوقهم التي كفلتها لهم قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
لذا فإن الاحتلال سيحاول امتصاص الغضب الفلسطيني إلى حد معين، كما نشرت يديعوت التي قالت: "الجيش لا يستبعد اقتحام متظاهري غزة للحدود وسيعمل على امتصاص الحدث على مسافة كيلومتر داخل الأراضي المحتلة لكنه لن يسمح بالوصول للمستوطنات".
ويشاطر الاحتلال بهذا القلق الكبير الولايات المتحدة حليفتها الأقوى في العالم حيث وصفت تقارير صحفية أمريكية ما تنتظره المنطقة العربية، خلال هذا الشهر المتخم بالأحداث الحرجة والصعبة، التي قد تضع المنطقة على فوهة النار، بـ "أيار الأسوأ والأسود والأخطر".
ونشرت مجلة "أتلانتيك" الأمريكية تقريرًا حول ملابسات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، بعنوان "العاصفة المقبلة في إسرائيل".
ونقلت المجلة تصريحات عن مسؤول استخباراتي وصفته بالبارز، لكن رفضت الإفصاح عن هويته، قوله إن هذا يعد "أسوأ بل أسود وأخطر أيار/مايو تواجهه إسرائيل منذ عام 1967".
وقال المسؤول الاستخباراتي للمجلة إن الأزمة وتوقيت نقل السفارة يأتي متزامن مع أيام عطلة "شبه رسمية" في دولة الاحتلال، معروفة بالمواجهات بين الفلسطينيين والمستوطنين، والمسيرات والاحتجاجات والاشتباكات، سواء في مدينة القدس القديمة أو محيطها وفي كامل الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأكدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، في تقرير لها أعده معلقها العسكري أليكس فيشمان، أن قيادة جيش الاحتلال في الجنوب "تستعد هذا الأسبوع، لأسوأ سيناريو؛ وهو العودة لمواجهة عسكرية واسعة مع حماس".
وقالت: "إلى جانب الآلاف من الجنود المنتشرين أمام سياج قطاع غزة، تم إعداد خطط لتعزيز القوات من المدارس العسكرية والوحدات القتالية في الاحتياط، وحتى إمكانية التعبئة، على الأقل جزئيا، لقوات الاحتياط"، منوهة أنه في ذات "الوقت نفسه، تستعد قوات سلاح الجو، ضمن خطط لمواجهة التدهور في قطاع غزة، وذلك لإنزال ضربة نارية قوية بشكل خاص".
وتابعت: "إذا تمكن الفلسطينيون من عبور السياج الحدودي، سيواجهون على بعد بضعة عشرات من الأمتار سياجًا آخر، حيث ستحاول قوات كبيرة من الجيش احتواء الاختراق"، مضيفة: "من ناحية الجيش، فإن اختراق السياج الثاني يعني تحقيق نوع من الإنجاز لحماس، لأن الإنجاز المطلوب لحماس هو التحرر وإن كان جزئيًا، من الحصار".
ورأت أنه "إذا خرجت الأمور عن السيطرة، فستحترق غزة، وإذا تمكنت غزة من خرق الجدار بثمن أكثر من 100 قتيل، فإن ديناميكيات النجاح يمكن أن تشعل الضفة الغربية".