مكتوب: لماذا تزهد (إسرائيل) في مواجهة غزة؟

جنود الاحتلال على حدود غزة
جنود الاحتلال على حدود غزة

د.صالح النعامي

نجاح المقاومة الفلسطينية بثبيت قواعد الاشتباك التي فرضتها خلال حراك مسيرات العودة، والتي تقوم على الرد على كل عدوان ينفذه الاحتلال مثل إنجازا كبيرا وجديا.

ففي الوقت الذي تغض إيران وحزب الله ونظام الأسد الطرف عن الهجمات التي يشنها الكيان الصهيوني صباح مساء في عمق سوريا، تأبى الحركة التي تصفها (تل أبيب)، بأنها "الحلقة الأضعف" في سلسلة أعدائها إلا الرد على العدوان، مما مس بقوة ردع الاحتلال.

وهذا الإنجاز هو الذي أفضى إلى احتواء التصعيد الأخير ومهد للعودة للتهدئة من جديد، على الرغم من أن التهديدات التي صدرت عن الاحتلال في أعقاب، قيام "كتائب عز الدين القسام"، بقتل أحد جنود الاحتلال الذين يتمركزون على الحدود، الانطباع بأن ردة فعل الصهاينة ستكون كبيرة لدرجة أن تفضي ردود حماس عليها إلى الانجرار لمواجهة شاملة، على غرار تلك التي وقعت في صيف 2014.

لكن حسابات الطرفين دفعتهما إلى تجاوز هذا التصعيد والاستجابة بشكل سريع للوسطاء الإقليميين والدوليين الذين تدخلوا لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

فحركة حماس معنية بإنهاء التصعيد الأخير لأنها نجحت خلاله، مرة أخرى، في تثبيت قواعد الاشتباك التي أعلنت أنها بصدد فرضها، والمتمثلة في الرد على كل عدوان إسرائيلي يسفر عن شهداء للمقاومة. فحماس ردت على استشهاد ثلاثة من عناصرها بقنص وقتل أحد جنود الاحتلال.

لكن حماس، في الوقت ذاته، تعاطت بواقعية، ولم ترد على القصف الإسرائيلي الذي لم يسفر عن أية أضرار في الأرواح وذلك لتمكين القيادة الصهيونية من النزول عن الشجرة في أعقاب قتل الجندي.

من ناحية ثانية، فإن حماس معنية بتطويق التصعيد من أجل توفير بيئة تسمح بنجاح الجهود المصرية الهادفة إلى انجاز المصالحة الوطنية، على اعتبار أن تطبيق المصالحة يفترض أن يفضي إلى إحداث تحول على البيئة الاقتصادية والإنسانية في القطاع، مما يعني تقليص الأعباء السياسية والعسكرية على الحركة جراء مواصلتها إدارة حكم القطاع.

في الوقت ذاته، فإن القيادة الصهيونية كانت معنية أيضا بتطويق التصعيد لأنها تعي أن قدرتها على مواصلة تكتيك السير على حافية الهاوية في مواجهة حماس محدودة للغاية، على اعتبار أن تصعيد عملياتها الحربية سيفضي إلى مواجهة ليس فقط لن تحقق مصالح استراتيجية، بل أنها ستؤدي إلى تدهور الأوضاع الأمنية في الجنوب إلى جانب المس بمكانتها الدولية.

وتدرك (تل أبيب) أن مواجهة شاملة مع حماس قد تجبرها على إعادة احتلال القطاع وإسقاط حكم حركة حماس، مما يجعلها في مواجهة سيناريوهين، لا ثالث لهما. فإما أن تتورط بالبقاء لوقت طويل في القطاع، مما يعني تحملها التبعات الاقتصادية والأمنية السياسية الناجمة عن هذا الواقع. وإما أن تنسحب من القطاع لتعم الفوضى، على اعتبار أن غزة ستكون بدون عنوان سلطوي يمكن لـ(تل أبيب) جباية أثمان منه؛ وهو ما يعني أن الأوضاع الأمنية في المستوطنات في غلاف غزة وجنوب (إسرائيل) ستزداد سوءا فقط.

إلى جانب ذلك، فإنه على الرغم من تكثيف الاتصالات بين (تل أبيب) وموسكو بشأن الأوضاع في سوريا، إلا أن (إسرائيل) تخشى أن يفضي حرصها على تطبيق استراتيجيتها القاضية بعدم السماح لإيران بالتمركز في سوريا، سيما منطقة الجولان إلى إشعال الجبهة الشمالية، مما يعني أنه لن يكون من الحكمة الدفع نحو مواجهة مع حماس في الوقت الحالي.

وبسبب مصلحتها الواضحة في عدم الانجرار لمواجهة شاملة مع القطاع، فقد تبين أن (إسرائيل)، وفي تطور دراماتيكي باتت معنية لأول مرة بتحقيق المصالحة الفلسطينية، كما كشفت النسخة العبرية لموقع المونتور.

لكن الجدل الإسرائيلي الداخلي وميل الفرقاء الأكثر تطرفا داخل الائتلاف اليميني الحاكم لمحاولة الحصول على مكاسب سياسية على الصعيد الداخلي من خلال توظيف المواجهة مع غزة، قد يقلص في النهاية هامش المناورة أمام نتنياهو ويدفعه مجددا لإعاقة التحركات الدولية والإقليمية الهادفة إلى إحداث تحول على الواقع الاقتصادي والإنساني في القطاع.

فعلى سبيل المثال، في حال أصر نتنياهو تحت تأثير الضغوط التي يمارسها بعض وزرائه على ربط موافقة (إسرائيل) على مشاريع إعادة تأهيل غزة اقتصاديا بملف الأسرى الإسرائيليين لدى حركة حماس، فإن هذا سيقلص من فرص تطبيق هذه المشاريع، مما يعني توتير الأوضاع مجددا ويعزز فرص اندلاع مواجهة شاملة.

مع العلم أن حركة حماس لا تعارض معالجة موضوع الأسرى، لكنها تشترط أن يتم ذلك في إطار صفقة تبادل أسرى تقوم (إسرائيل) خلالها بالإفراج عن عدد كبير من الأسرى الذين تقول (إسرائيل) أن "إياديهم ملطخة بدماء" جنودها.