قبل أربعة أعوام وضعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة أوزارها بعد 51 يوما داميا؛ لكن غبار البارود لايزال حاضرا عقب جولات متتالية من التصعيد والتسخين على الحدود مع القطاع والتي انتهت بضغط دولي حثيث؛ لمنع نشوب حرب جديدة.
وما بين الجهود المكوكية التي بذلها منسق الأمم المتحدة لعملية التسوية في الشرق الأوسط، نيكولاي ميلادينوف، وتدحرج كرة اللهب بشكل سريع بات من غير المعرف أين سترجح الكفة بين الحرب والتهدئة، في ظل الحديث عن جهود القاهرة المتواصلة للوصول لاتفاق بين فصائل المقاومة والاحتلال خلال الأيام القليلة المقبلة.
وإن كان المشهد أقل ضبابية في ظل حالة الاجماع الوطني على ضرورة التوصل لاتفاق تهدئة شامل يضمن رفع كامل للحصار، فإن تعنت السلطة الفلسطينية ورفضها المطلق لأي اتفاق وصل حد اعتباره بـ"الخيانة" للمشروع الوطني يزيد من تعقيدات هذا الملف، إلا أن القرار الدولي بضرورة حل الأزمات الإنسانية في القطاع يقلل من أهمية رفض السلطة لهذا الأمر.
ويمكن القول إن الحالة التي تركتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة صيف 2014 على غزة، تشي بأن جميع الأطراف باتت تدرك أن الوصول لاتفاق تهدئة يُنهي المعاناة الإنسانية المتراكمة في القطاع أفضل بكثير من اشعال فتيل البارود الذي سيكلف ثمنا باهظا.
قناعة إسرائيلية
ويبدو من الناحية النظرية إن إمكانية التوصل لاتفاق تهدئة بات خيارا مرجحا أقرب منه للعودة إلى الحرب والتي قرأت (إسرائيل) فيها بأن حسم الموقف لصالحها في قطاع غزة ليس من السهل، وفق ما يعتقد الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي د. مأمون أبو عامر.
ويوضح أبو عامر في حديثه لـ"الرسالة" أن جل الأهداف التي وضعها الاحتلال في حربه الأخيرة لم تتحقق وهو ما ولّد قناعة لديها بأن الوصول لاتفاق مع المقاومة أفضل من خوض معركة ستجر خسائر جديدة (إسرائيل) في غنى عنها.
وبيّن أن المعادلة باتت نسبية والخيار الأفضل أن يذهب الطرفان إلى تهدئة بعد عدم حسم الاحتلال لأهدافه بشكل كامل من الحروب.
وهو ما ذهب إليه الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، الذي أكد أن التوصل لهدنة بعد التهدئة الحالية قريب لكن الإعلان عنها يحتاج إلى جولة أخرى من الحوار في القاهرة.
ويعتقد عوكل في حديثه لـ"الرسالة" أن موضوع الهدنة بات مصلحة لجميع الأطراف وسيجري التوصل لها سواء نجحت المصالحة التي ستسهل هذا الأمر أم لا.
وعن مدى نجاح السلطة في افشال هذا الاتفاق، يرى عوكل بأن القاهرة لديها قناعة أن السلطة هي المسؤولة عن تعطيل المصالحة، وستذهب مصر إلى تجاوزها في موضوع التهدئة وإن كان هذا الأمر ثقيلا عليها.
مبادرة جديدة
في المقابل يعتبر الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي أكرم عطا الله أن الأطراف بدأت بعملية مبادرة جديدة قد تفضي إلى تهدئة، ولكن ليست تلك التي كانت قد وضعت على طاولتي مكتب "حماس" السياسي بداية الشهر والكابينيت الإسرائيلي الذي عطل المصادقة عليها، وقد تكون أقرب لتهدئة ليست بنفس النسخة إذا ما أصرت الأطراف على وضع شروطها الجديدة.
ويشير عطا الله إلى أنه رغم شح المصادر في هذا الملف؛ لكن بات واضحاً أننا أمام مسار جديد قد بدأ، سواء بسبب تغيير واقع الهدوء الذي ساد بعد عدوان 2014 وحركته مسيرات العودة، أو لأن (إسرائيل) تستغل وجود الرئيس الأميركي ترامب، مشددا على أن التهدئة في غزة باتت مطلبا عاما، سواء لجهة الخشية من عدوان تكرر ثلاث مرات بكل كوابيسه أو لجهة الرغبة بحياة كريمة.