مؤتمر "وارسو": العرب يتوجون نتنياهو ملكا

الكاتب: صالح النعامي
الكاتب: صالح النعامي

بقلم: د. صالح النعامي

تأبى نظم الحكم العربية إلا أن تسهم من حيث تدري أو لا تدري في إضفاء صدقية على مواقف اليمين المتطرف في الكيان الصهيوني بقيادة بنيامين نتنياهو وتعمل على تعزيز مكانته الداخلية عشية الانتخابات التشريعية التي ستجرى في التاسع من أبريل القادم.

وتدل كل المؤشرات على موافقة وزراء خارجية كل من مصر، السعودية، الأردن، الإمارات، البحرين، المغرب الحضور إلى جانب نتنياهو في مؤتمر "السلام والأمن"، الذي سيلتئم في العاصمة البولندية وارسو بعد أسبوعين، والذي دعت إليه الإدارة الأمريكية، مما سيسهم كثيرا في تحسين مكانة نتنياهو، وسيمنح حزب الليكود الذي يقوده الكثير من الطاقة لمواجهة خصومه.

ولعل الصورة الجماعية لممثلي الدول السبعين التي ستشارك في المؤتمر، وضمنهم نتنياهو ووزراء خارجية: مصر، الأردن، السعودية، الإمارات، البحرين، المغرب، ستكون أهم مركب في الحملة الدعائية لحزب الليكود؛ حيث أن الحزب سيقدمها على أنها تضفي صدقية على التطمينات التي قدمها رئيس حكومة (تل أبيب) للرأي العام الإسرائيلي، على مدى عامين، بأن تحولات دراماتيكية قد طرأت على طابع العلاقات والشراكات الإستراتيجية التي باتت تربط (إسرائيل) تحت حكمه بالدول العربية.

وفي حال تم توثيق اللقاءات الثنائية التي يفترض أن تجمع على هامش المؤتمر، نتنياهو بممثلي الدول العربية، تحديدا التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع (إسرائيل)، بالصوت والصورة، فإن هذا سيمثل قيمة دعائية كبيرة لحملة الليكود.

ونظرا لأن المؤتمر سيبحث قضية السلام في منطقة الشرق الأوسط، فإن نتنياهو سيوظف مشاركته إلى جانب وزراء الخارجية العرب في التدليل على صوابية المواقف الأيدلوجية والسياسية التي يتبناها إزاء الصراع مع الشعب الفلسطيني.

فنتنياهو الذي أعلن الثلاثاء ليس فقط تمسكه بالمشروع الاستيطاني والتهويدي في الضفة الغربية والقدس، بل عبر عن ندمه أيضا على تفكيك بعض النقاط الاستيطانية التي دشنت بدون إذن حكومته، سيوظف مشاركة ممثلي الدول العربية إلى جانبه في المؤتمر، على أنه تسليم عربي رسمي بمواقفه. مع العلم أنه سبق لنتنياهو أن ادعى أن نظم الحكم العربية التي تتواصل مع (تل أبيب) أوصلت له رسالة مفادها أنها لم تعد تربط مستقبل علاقاتها بـ(إسرائيل) بـ "نزوات الفلسطينيين".

ومن الواضح أن مشاركة ممثلي الدول العربية في المؤتمر إلى جانب نتنياهو في ظل إعلانه هذه المواقف تجسد تخلي الدول العربية عمليا عن خطة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت في العام 2002.

في الوقت ذاته، فإن نتنياهو سيوظف مشاركته في المؤتمر بالتشديد على التزامه بخطوط (تل أبيب) الحمراء في أي مشروع تسوية يمكن أن تعلن عنه إدارة الرئيس دونالد ترامب، سيما وأن العديد من مسؤولي الإدارة قد أكدوا أنه سيتم الإعلان عنها قريبا.

إلى جانب ذلك، فإنه نظرا لأن المؤتمر سيبحث بشكل أساس سبل مواجهة "الخطر الإيراني" فهذا سيمثل فرصة لنتنياهو لفرض جدول أعمال أمني على الحملة الانتخابية، وتقليص قدرة منافسيه على توظيف قضايا الفساد التي يتهم بها في المس بمكانته.

وسيوظف نتنياهو خطاباته وإطلالاته الإعلامية خلال المؤتمر لتكريس الانطباع الذي يقدمه عن نفسه كـ "ٍسيد الأمن"، الذي أخذ على عاتقه مواجهة إيران.  ومن أجل تعزيز هذا الانطباع، فمن المتوقع أن يأمر نتنياهو، كوزير للحرب، بتكثيف الغارات ضد التواجد الإيراني في سوريا قبيل بدء أعمال المؤتمر، سيما في ظل تقديرات المحافل العسكرية في (تل أبيب) بأن فرص أن ترد إيران على الغارات انطلاقا من سوريا أو لبنان تؤول إلى الصفر.

ويكاد في حكم المؤكد أن نتنياهو سيستغل مشاركته في المؤتمر في مواصلة استراتيجية تبني الغارات التي تنفذ في سوريا، وذلك بهدف تسجيل نقاط أمام الدول العربية المشاركة في المؤتمر من خلال الزعم بأن (إسرائيل) تتولى مواجهة إيران بالأفعال، ناهيك عن توظيف ذلك في تحسين مكانته أمام الرأي العام الإسرائيلي.

ونظرا لأن المؤتمر سيبحث أيضا مواجهة القوى المتحالفة مع إيران في المنطقة، فإن نتنياهو سيوظف ذلك في التدليل أمام الرأي العام الإسرائيلي على أنه نجح في محاصرة كل من حزب الله وحركة حماس دبلوماسيا.

وعلى الرغم من الموقف العدائي الذي تبديه العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلي تجاه نتنياهو، سيما في أعقاب تفجر قضايا الفساد ضده، وردا على الحملة التي شنها شخصيا ضد كبار المعلقين في قنوات التلفزة الرئيسة، فستضطر هذه القنوات عبر تغطيتها لوقائع المؤتمر، منح نتنياهو وقتا ثمينا لكي يخاطب الجمهور الإسرائيلي وليدلل على مزاعمه بأن تحولا "هائلا" طرأ على مكانة (إسرائيل) الإقليمية والدولية.

إلى جانب ذلك، فسيستغل نتنياهو التئام المؤتمر لكي يقلص حدود الجدل حول قضايا الفساد التي يتهم بها، سيما وأن عقد المؤتمر قد يتزامن مع إعلان المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت قراره بشأن تقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو في هذه القضايا.