بعد 22 عاما... رحل الورق وبقيت "الرسالة"

احتفالية الرسالة بمناسبة مرور عشرين عاماً على انطلاقتها
احتفالية الرسالة بمناسبة مرور عشرين عاماً على انطلاقتها

غزة- الرسالة

عن عمر يناهز 22 عاما توقف صحيفة "الرسالة" نسختها الورقية، بعدما حفرت اسمها في الصخر بعدما عاشت حقبة من التضييق والاغلاق والقصف، والمنع من الطباعة والنشر في الضفة والقدس المحتلتين.

انطلقت "الرسالة" عام 1997م لتكون الصحيفة الأولى في قطاع غزة التي تحدثت بلسان المعارضة والمواطن وحققت الكثير من النقلات التي جعلت اسمها حاضرا في العديد من المحافل المحلية والدولية.

"الرسالة تنهض" كان المانشت الرئيسي في أكثر من مرة استطاعت خلالها التغلب على الصعاب إلا أنها لم تدرك أنها لن تقوى هذه المرة على مواجهة أزمتها المالية، لتضطر للتخلي عن نسختها الورقية والتوجه للعمل الالكتروني بقوة، في عصر ضج بالإعلام الرقمي.

توثيق القضية

على مدار 22 عاما أرخت "الرسالة" لكل الحقب ابتداء من الانتفاضة ومرروا بالحروب والانقسام والانتخابات، وسعت لحمل الهم الوطني الإسلامي واطلاع المواطن الفلسطيني على الحقائق ومساعدته في تكوين رأي عام صائب.

وخلال المرحلة الطويلة من عمر الصحيفة وضع كتاب خالدون في ذاكرة الشعب الفلسطيني وتاريخه بصماتهم على صفحاتها أمثال الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، والدكتور الشهيد إبراهيم المقادمة، والمهندس الشهيد إسماعيل أبو شنب، والدكتور الشهيد نزار ريان، وغيرهم من الكتاب.

لم تكن المسيرة سهلة فمنذ انطلاقتها تعرضت الصحيفة إلى مسلسل متواصل من المعيقات فبعد ستة أشهر فقط من بداية صدور العدد الأول جاء قرار الشرطة الفلسطينية بإغلاق الصحيفة لأجل غـير مسمى، وبدون تقديم أي مبرر قضائي بإجراءات تنافت مع القانون، واستمر الإغلاق لمدة ثلاثة أشهر، ولتبلغ فترات إغلاقها على مدار سنوات عملها لأكثر من 8 أشهر.

وعاني صحفيو المؤسسة من الملاحقة والاعتقال لأكثر من مرة، فاعتقلت الأجهزة الأمنية رئيس تحريرها في ذلك الوقت الدكتور صلاح البردويل كما اعتقل وسام عفيفة الذي شغل رئاسة تحريرها حتى عام 2017م، وكذلك اعتقل المحرر المسئول السابق الدكتور غازي حمد عدة مرات بسبب المواد المنشورة في الصحيفة، كما تعرض للعديد من طلبات الاستدعاء لمقابلة الأجهزة الأمنية.

وخلال فترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي اندلعت في أيلول من العام 2000 لعبت "الرسالة" دورا بارزا في إسناد إنتاج الإعلام المقاوم ودعم المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني.

قول الحقيقة

يقول صلاح البردويل القيادي في حركة حماس وأحد مؤسسي الصحيفة "الأثر الجماهيري والسياسي الذي تركته صحيفة الرسالة كان بمثابة صاعق فجر قدرة الجماهير للتعبير عن رأيها. ويضيف "الرسالة" هي من جرأت الجماهير على انتقاد السلطة وقول الحقيقة ودفعت ثمنا لذلك من مبانيها وكوادرها الذين أسروا واستشهدوا ولوحقوا بسبب كتاباتهم القوية.

"الرسالة" بدأت قوية، وباتت بما وصلت إليه أقوى وأقوى، فهي لم تعد مجرد صحيفة بل أصبحت مؤسسة كاملة، كما يقول.

وتعرضت الرسالة للتحريض المستمر من الاحتلال حتى وصل الأمر لقصفها بالصواريخ لمرتين الأولى في السادس عشر من مايو 2004م وذلك على إثر نشرها كاريكاتيرًا للفنانة أمية جحا عن مقتل 6 جنود في اجتياح حي الزيتون، أما الثانية فهي في الرابع من يناير لعام 2009 خلال معركة الفرقان، والتي دمر على إثرها مقر المؤسسة بالكامل.

تضحيات "الرسالة" لنقل الحقيقة تجاوزت المباني وطالت طواقمها العاملة فقدمت الصحفي محمد ضاهر شهيدا خلال الحرب الأخيرة على القطاع والذي استشهد بتاريخ الـحادي والثلاثين من يوليو 2014م بعد عشرة أيام على اصابته.

وقد تعرض الشهيد ضاهر لإصابة خطيرة، إضافة لاستشهاد عدد من أفراد عائلته بعد قصف منزلهم في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.

وتبدو المفارقة في أن "الرسالة" مثلت تجربة فريدة في انتقالها مع القضية الفلسطينية عبر محطات لم يكن من السهل استيعابها من قبل العاملين في الصحيفة أو جمهور القراء.. فمن صحيفة المعارضة خلال الأعوام من 1997م-2000 م إلى صحيفة المقاومة خلال الأعوام 2000م-2006م، فصحيفة الحزب الحاكم بعد فوزها في الانتخابات.

مواجهة الأحداث

وعلى مدار عمل الصحيفة مثل عام 2006 م نقلة نوعية في عمل الصحيفة التي تحولت من أسبوعية إلى نصف أسبوعية رغم منعها من الطباعة والتوزيع على طول سنوات الانقسام في الضفة الغربية، وانتقلت من صوت المعارضة لمعبرة عن الحزب الحاكم مع قدرة عالية على الحفاظ على منهيتها ولسانها الناقد.

تلك المهنية تمثلت في سلسلة من التقارير والتحقيقات التي نقلت هموم المواطنين وتحدثت بلسانهم، فتميزت الصحفية بتحقيقاتها التي اتسمت بالجرأة، فهي لم تتعود على "التطبيل والتزمير"، فكان لها صوت عالٍ ميّزها عن الإعلام الحزبي.

وفي خضم الزخم الإعلامي الذي لم يعد يعرف الحدود ولا الأولويات تقدمت الرسالة بخطوة إنشاء الموقع الالكتروني اليومي في العام 2009م كي يكون نواة تجربة عملية وكي يصل بالصحيفة إلى مكانة يليق بسمعتها ومكانتها وتاريخها العريق ويجعلها تواكب التطور.

واستطاع الموقع الالكتروني للصحيفة وفي وقت زمني قصير من تحقيق رقم متميز على الشبكة العنكبوتية والساحة الإعلامية الفلسطينية والدولية، وساهم الموقع إلى حد كبير في انطلاق الصحيفة وانتشارها خارج وداخل فلسطين.

وبدوره قال الدكتور غازي حمد أول رئيس تحرير لصحيفة الرسالة:" أفتخر بأنني كنت أول المؤسسين للصحيفة في مسيرة جبلت بالتعب في ظل عدد وميزانية محدودة".

ويضيف:" تناولنا مواضيع مهمة وحساسة تعلقت بالسلطة الفلسطينية لذلك بدأت الرسالة قوية لذا دفعت ثمنا كبيرا لذلك فأغلقت عدة مرات وطورد ولوحق صحفيها لكن هذا أعطاها مصداقية وانتشار في المجتمع الفلسطيني.

ويشير إلى أنهم وجهوا رسائل لمختلف الفصائل والتوجهات للكتابة في الصحيفة بعضهم قبل وآخرين رفضوا، لذا كانت بوابة لكل الآراء.

عمل الرسالة الذي راكمته على مدار 22 عاما أفرز لها العديد من الجوائز والمحلية والدولية كان أهمها في عام 2012م والتي حصدتها الصحفية مها شهوان عن أفضل تحقيق استقصائي على مستوى الشرق الأوسط في المسابقة التي نظمتها مؤسسة "ثومسون" بالتعاون مع السفارة البريطانية، وتنافس في حينها للفوز بالجائزة 85 تحقيقاً صحفياً من الصحافة المكتوبة و19 تحقيقاً تلفزيونياً بالإضافة إلى 18 مصوراً صحفياً.

وفاز فريق قناة جفرا المنبثقة عن مؤسسة الرسالة عام 2015 بالمرتبة الثانية في مهرجان الجزيرة للأفلام القصيرة "دقائق"، بقطر عن فيلم "القفص".

أما الجائزة الثالثة فكانت من نصيب الصحفي محمد أبو قمر عام 2016م عن جائزة الصحفي على الجابر المنبثقة عن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر لأفضل تحقيق صحفي.

كما توجت الرسالة في عام 2017م بجائزة أمان للنزاهة والمساءلة على مستوى فلسطين للصحفيين شيماء مرزوق ومحمود هنية ومحمود أبو قمر عن تحقيقين صحفيين كشفا عن قضيا فساد.

الصحفي محمود هنية توج كذلك بجائزة أريج على مستوى الوطن العربي للعام 2018م كأفضل تحقيق استقصائي، فيما توج كذلك بجائزة ائتلاف أمان للنزاهة والشفافية لذات العام.

وتوجت المؤسسة بالعديد من الجوائز المحلية من بيت الصحافة وكتلة الصحفي وإذاعة أمواج وغيرها من المؤسسات المحلية خلال سنوات عملها.

ورغم أن حبر الرسالة قد جف من على الورق إلا أنها ستبقى لسان المواطن ومعبرة عن همومه في فضاء أوسع وأكثر تأثيرا مستخدمة كل الوسائل التقنية والرقمية في سبيل الوصول والبقاء.

انطلاقة الكترونية

تحولت صحيفة الرسالة خلال السنوات الماضية، لمؤسسة إعلامية متكاملة ما بين المطبوع والالكتروني والمسموع والاعلام الجديد.

وتعمل الرسالة على تطوير أدائها بالإعلام الرقمي مستثمرة الإمكانات اللوجستية والبشرية التي تعمل لديها في هذا المجال.

وتهدف الرسالة الى تحقيق نقلة في الاعلام الإلكتروني من خلال تعزيز موقعها "الرسالة نت" واضفاء تصاميم الصحيفة عليه، وكذلك النشر عبر منصات التواصل الاجتماعي والإذاعة الالكترونية.

وسيكون للإنتاج المرئي النصيب الأكبر لعمل الرسالة الإعلامي خاصة في مجال الفيديوغراف، واستطلاعات الرأي، والأفلام القصيرة.