أطفال "رضع" يتركهم ذويهم دون رعاية

في غزة .. أطفال "رضع" يتركهم ذويهم دون رعاية
في غزة .. أطفال "رضع" يتركهم ذويهم دون رعاية

تحقيق الرسالة – مها شهوان

طيلة انتظار الوالدين "محمود وأسماء" تسعة أشهر لمولودها الجديد الذي اختاروا له اسما منذ الأيام الأولى وهو في احشاء أمه، بقي الزوجين بمساعدة ذويهما يجهزان لاستقبال الطفل الأول.

انقضت شهور الحمل، حتى جاء المخاض للأم، فجهزت حقيبتها وذهبت برفقة زوجها والعائلة لتضع المولود كما جرت العادة، أقل من ساعة مرت فخرج الطبيب من غرفة الولادة وبيده طفل نقل إلى الحضانة.

لم يحتمل الأب الانتظار فذهب لرؤية ولي العهد الذي اختار له اسم "ادم"، بقي يبحث عن ابنه فلم يصدق ما رأته عيناه، طفل بجسد صغير لا يزن الكيلو والنصف ويغطي جسده تقرحات جلديه، تراجع الأب العشريني وراح يصرخ " وين ابني مش ابني هاد".

وبعدما استيقظت الأم من "البنج" وأحضروا لها الصغير لترضعه، لم تتقبله وخافت من منظره، فغادر الوالدين المستشفى دون أخذ صغيرهم، فطيلة أيام بقاءه في الحضانة لم يحضروا له الحليب الخاص أو البامبرز، وباءت جميع محاولات الطاقم الطبي في الحضانة لإقناع الاهل اصطحاب الطفل إلى البيت بالفشل، لكن بعد تدخل الشرطة عاد الصغير لعائلته.

ما ورد ليست الحالة الأولى التي تحدث في حضانة مستشفى الشفاء فهناك العشرات من الأطفال الذين يولدون بإعاقات خلقية ويرفضهم ذويهم، منهم من يبقى لشهور عدة حتى يفارق الحياة واخرون يعودون لذويهم بعد تدخل الشرطة.

ولعل ما تسبب في ولادة أطفال بعيوب خلقية بأعداد كثيرة هو الحروب الثلاثة الأخيرة على قطاع غزة، وما تركته مخلفات الأسلحة التي ألقيت على البيوت والأراض الزراعية، مما تسبب بتشوهات وفق الدراسات والأبحاث الطبية للأجنة في بطون أمهاتهم لاسيما سكان المناطق الحدودية.

 تشوهات خلقية

وفي زيارة إلى قسم الحضانة كان طفلا صغيرا لا يتجاوز الشهر برأس كبير، وفي المقابل منه رضيع اخر بعمر الأسبوع أيضا ولد بتشوه خلقي، وعند السؤال عن ذويهم أخبرنا الممرض هناك أنهم لا يحضرون رغم الاتصالات المتكررة عليهم.

خلال انشغال د.حنان الوادية رئيس قسم الحضانة في متابعة أوضاع الأطفال هناك، قاطعتها قليلا "الرسالة" للحديث عن وضع الأطفال ذو الاعاقات داخل الحضانات ودورهم في تقبل الأهالي لهم.

تقول وهي تفحص أحد الصغار:" هناك الكثير من الأهالي الذين يرفضون أخذ صغارهم بسبب التشوهات الخلقية التي يولدون بها (..) بعض الأمهات تكون غير مهيأة نفسيا للتعامل مع الطفل وتخشى النظر إليه فتتركه وتهرب مع عائلتها، فغالبا ما تخشى الأمهات ولادة طفل اخر بذات التشوه".

رئيس قسم الحضانة: نستقبل شهريا من 5 لـ 7 حالات لأطفال مشوهة

وأوضحت الوادية أن بعض الأهالي يدركون أنهم مقدمون على ولادة طفل معاق حيث يتبين لهم ذلك خلال مراجعة الأم فترة الحمل لطبيبها، لكن مع ذلك يرفضونه، مبينة في الوقت ذاته أن كثير من الأهالي يفاجئون فتصاب الأم بحالة اغماء بينما الأب يبقى يجادل ويصرخ في الطاقم الطبي ويلقي اللوم عليه بولادة طفل بإعاقة.

ولامت خلال حديثها الأطباء الذين يخفون على الأمهات في احيان كثيرة أن الجنين فيه تشوه خلقي، مشيرة إلى أنه من المفترض تبليغ الأهالي بذلك ليستعدوا لتقبله، وعلى الأقل ابلاغ أحد أقاربهم.

ومن المشكلات التي تواجههم في الحضانة، ذكرت الوادية أن كثير من الأهالي يرفضون جلب الحليب والبامبرز لصغارهم، وعدد منهم لا يرغب بالزيارة، الأمر الذي يؤثر على عملهم في الحضانة بسبب عدم ايجاد أسرّة كافية لمواليد جدد، لافتة إلى وجود ازدحام في جميع الحضانات الحكومية.

وأوضحت أن الأطفال الذين يولدون بإعاقات ويرفض ذويهم استقبالهم يتم تحويلهم إلى مستشفيات الأطفال حتى حل مشكلتهم، مبينة أن هناك طفل ولد بتشوه خلقي بقي في الحضانة مدة سبعة أشهر حتى توفي دون أن يزوره ذويه.

وبحسب قولها فإن أكثر التشوهات الخلقية التي يولد بها الصغار هي الرأس الكبير "استسقاء الرأس" أو بالشكل لاسيما الوجه، وكذلك تقرحات الجسد، مشيرة إلى أن الحضانة شهريا تستقبل من 5 لـ 7 حالات مشوهة.

وتوضح الوادية أنهم يعلمون الأهالي كيفية ارضاع الطفل ذو الاعاقة سواء طبيعيا أو بالأنبوب، عدا عن التدريب النفسي لاستقبال الطفل واستيعابه داخل الأسرة.

وداخل الحضانة ذاتها الممرض فايز السراج، والذي يعمل منذ أعوام قليلة داخل الحضانة، فهو يراقب الحالات دوما، يقول "للرسالة" :" بعض الأهالي يرفضون زيارة أطفالهم، ففي بعض الأحيان يأتون على خجل بعد الالحاح عليهم أثناء الاتصال، ودوما نحاول تعليمهم تقبل الطفل لكن يموت الصغار في الحضانة دون ذويهم".

ولفت السراج إلى أنه والعاملين يتعرضون دوما للإهانة من قبل بعض الاهالي، فيثورون بهم عند رؤية صغارهم في حالتهم المشوهة، مؤكدا أنهم يتقبلون ذلك ويحاولون التخفيف عنهم.

ويشير إلى أنهم يتعاملون مع الأطفال كأنهم أطفالهم، فمهنتهم وإنسانيتهم تفرض عليهم ذلك.

ويحكي موقف حدث أمامه قبل أيام قليلة، أن والد أحد الأطفال الذي ولد برأس كبير جاء ليلا تمام الساعة الثانية والنصف يسأل عن صغيره الذي نقل إلى الحضانة فور ولادته وعندما راه أغمى عليه.

هنا حالة جديدة لكنها تختلف عن سابقاتها، كان الرضا يملئ قلب الأبوين بما قسمه الله لها، رغم الصدمة التي تعرضوا لها ، فهذا صغيرهم الذين انتظروه بعد أربع سنوات زواج ولد بشلل رباعي وكتلة خارجية بارزة اخر النخاع الشوكي رغم ملامح وجهه الجميلة.

لم ينهار الأب حينما رأى صغيره، بل بقي يتابعه طيلة بقاءه على قيد الحياة ثلاثة أيام في الحضانة يقرأ له القران ويقترب من سريره الموصول بالأكسجين يدعو له تارة، ويصلي بالقرب من ابنه الذي شبهه البعض بـ "رواد الفضاء" تارة أخرى.

بعد المتابعة والتحري تبين أن عائلة الصغير تسكن في المنطقة الحدودية الشرقية والتي تعرض لوابل من الصواريخ خلال الحروب الأمر ما أدى لولادة طفل بتلك التشوهات وفق ما جاء في الدراسات العلمية.

وتعقب حسناء الحسني الاختصاصية النفسية في مستشفى الشفاء والتي تتابع ذوي الحالات، تقول لـ "الرسالة":" من خلال الملاحظة فإن مزيج من الحسرة والألم تعتري الأبوين عند ولادة طفلهما الأول بتشوهات خلقية".

وتابعت:" تبدأ مرحلة الدعم النفسي منذ اللحظة الأولى، نحاول التخفيف عن الاهالي لكن غالبيتهم يرفضون الاستجابة بسبب وصمة العار والمضايقات التي يتعرضون لها من قبل المجتمع المحيط بهم بأن ابنهم معاق".

ممرض: نتعرض للإهانة من الأهالي ونعامل صغارهم كأنهم أبناءنا

وترجع الحسني عدم استيعاب الأبوين لطفلهم ذو التشوهات إلى قلة الوازع الديني، وكذلك أن الوضع الاقتصادي أيضا لا يساعد حيث يعتقد الأهل أن تكلفة ابنهم المعاق كبيرة، والأولى بالنسبة لهم جلب احتياجات الاصحاء، لاسيما في حال عدم وجود مصدر دخل.

وعن الأعراض التي تصاب بها الأم عند انجابها طفل ذو اعاقة، توضح الاختصاصية النفسية أنها تدخل في حالة اكتئاب وتفكر كثيرا بالانتحار وايذاء طفلها، والبعض منهن تدخل في عزلة وتفقد شهيتها للأكل وترفض رعاية صغيرها ولا تريد انجاب طفل اخر.

ووصفت الحسني أن الأم تتعرض للصدمة منذ اللحظة الأولى لولادتها طفل ذو تشوهات، وتعتبره كائن غريب، فرغم مشاعر الامومة لديها إلا أنها تكون غير قادرة على تقبله لشكله الغريب، لافتة في الوقت ذاته إلى أن الاهالي يتقبلون الذكر المشوه أكثر من الفتاة رغم أن المجتمع لا يساعد على اندماج الجنسيين في المجتمع بسبب الاعاقة كونه غير مهيأ لذلك.

اختصاصية نفسية: تدخل الأم في حالة اكتئاب وتفكر بإيذاء نفسها وطفلها المشوه

ولم تنسى الاختصاصية النفسية من التطرق للحديث عن الأهالي الذين يقبلون وضع طفلهم الرضيع، رغم أن عددهم قليل، لكن تقول "غالبية الحالات التي تتقبل تعلم قبل الولادة بوضع الجنين والتشوهات التي تعرض لها، لذا الصدمة لديهم تكون أقل".

الشرع يحاسب

وفي ذات السياق يعلق د. ماهر السوسي استاذ الشريعة والقانون في الجامعة الاسلامية أنه لا يجوز للوالدين التخلي عن أبنائهم مهما كانت حالتهم عند الولادة، كون الانسان مهما كان وضعه له حقوقه وواجباته، مستشهدا بالقران الكريم "ولقد كرمنا بني ادم" والطفل الذي ولد بتشوهات هو من بني ادم بغض النظر إن كان سليما أم معاقا.

ولفت إلى أن ما يصدر عن المجتمع تجاه الأطفال ذوي الاعاقات يخالف تعاليم الشريعة الاسلامية"، منبها إلى أن معايرة الأهالي بأطفالهم غير مبررة ويحاسب عليها الشرع.

ويؤكد السوسي أن الطفل مجرد ولادته على ذويه احتضانه وتقديم كل احتياجاته، ومن يتأخر عن ذلك يعتبر اثم وعاصي لرب العالمين، لذا لابد من تقبل الأب لطفله وتقديم الرعاية اللازمة له ولزوجته.

الشريعة الاسلامية: من يتأخر عن رعاية ابناءه عاصي لتعاليم الاسلام

ودعا أستاذ الشريعة مؤسسات المجتمع المدني والثقافة إلى السعي لتغيير المصطلحات الشائعة في المجتمع، وتوعية المواطنين بدرجة أكبر لتقبل وجود أطفال ذوي اعاقة، ولا علاقة للمرأة بإنجاب طفل بعيب خلقي لاسيما وهناك اسباب كثيرة ساهمت بذلك منها مخلفات الحروب.

وهنا لابد من وقفة تغيير حقيقية داخل مجتمعنا تبدأ من الأسرة لاستيعاب الطفل المولود بإعاقة، فهو من حقه العيش ضمن إطار اجتماعي سليم دون نبذه، أو معايرة ذويه به، فمن اللازم أن تبدأ التوعية من المساجد ومؤسسات المجتمع المدني بالاهتمام بهذه الفئة المهمشة.