بيت المجانين

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

وكالات

رشا فرحات

 

لدى جارنا أبو ماهر الكثير من البنات، جميعهن مجنونات، أبناؤه الصبيان بأنصاف عقل، بيته يبدو وكأنه عزبة للقرود، يركضون في باحاته صارخين بغوغائية مرعبة، أبو ماهر أيضاً يصرخ، يعلو صوته في كل وقت، وعلى كل شيء، على صوته نضبط توقيتنا،من صلاة الفجر حتى وجبة العشاء.

 

وحدها فاطمة نجت، ابنته البكر، عاقلة وحيدة بين عشرة مجانين، قال الجيران إنها ستبور، لأنه ما من رجل عاقل يتزوج من بيت المجنونات، ولكنها أيضا تزوجت، لا أردي كيف، فجأة قالوا أن عرسها بعد يومين.

كانت تحملق في المارة بنصف عين، وابتسامة، قالوا أنها لم تنجح في المدرسة، والحقيقة أن أمها أخرجتها باكرا من مدرستها لأنها كانت صاحبة يد عفية، تقدر على حمل العجين، ونشر الغسيل،لا تتعب أبدا، ولا تشكو، ابتسامتها لا تفارق شفتيها، سحنتها لا تخلوا من علامات بلاهة، وكأن الجنون كاد في لحظة غضب أن يطرق باب عقلها ولم يطرق، فتركها، ورقة خضراء وحيدة بين كل هذا الجفاف.

 

لها خصر يتسع بالراحة لحمل أخواتها المجنونات اللواتي ولدن بعدها بمراحل، حملت كل منهن سنتين على خصرها الأيمن، ولم أر خصرها فارغاً أبداً، منذ أن نفض طولها وتدورت، وإذا سرقت نظرة إلى بابهم المفتوح دوماً ستلمح فوراً قدمين صغيرتين ملفوفتين حول خصر منحوت بعناية فائقة.

 

كانت تلف وجهها أيضاً بشاشة جدتها، وتعرف من نظرة واحدة أن تلك الصبية لم ترتدي يوماً ثوباً جديداً، وجارنا أبو ماهر لم يكن فقيراً يوما، لكنه بيت المجانين، ربما كانت أمواله تطير أيضا في دنيا الجنون، فعاشت فاطمة تتسول أثوابها من فتيات الحي، فتسترها حيناً، وتفضحها حيناً، دون حق في الاختيار والاعتراض.

 

وفي يوم زواجها جلست على كوشة من القش، في حاصل أحد الجيران، وثوب العرس كان صدقة من أحدهم، عيناها تحدقان في المتفرجين بدموع أخفتها مساحيق منتهية الصلاحية، صبغت لها أمها شعرها بلون كلون الشمس، بدا باهتا مرعباً مع لون بشرتها الغامق، وأخفت تلك الألوان الغجرية ملامحها الباهتة، التي تنم عن سر كبير، يظهر ولا يظهر، وأنا سألت نفسي، أين هي فاطمة؟! وهل يلوث الزواج وجها كهذا؟!

 

فاطمة أنجبت طفلاً بعد ستة أشهر، أخذته وعادت به ملفوفاً إلى بيت المجنونات، لم أراها منذ ذلك اليوم، والطفل يلعب بوجهه الصبوح في حارتنا، ويركض مع الأولاد، تلطمه صرخات كل من في البيت، الملوثة عقولهم.

فاطمة لم تظهر، وإذا سألناهم يقولون جنت، لم أكن أسمع لها صرخة، ولم ألمح خصرها من أي نافذة، وحاولت مراراً أن أسأل، ولا قدرة للمجانين لإجابة !

 

أوَ كانت فاطمة، صاحبة السر، المجنون، قد رمت أبنها في أحضان خالاته، يحملنه على خواصرهن بطريقتهن المختلفة، ويصرخن في وجهه كلما أنّ أو تعب، ويبتلعن لقيماته القليلة، ويشربن حليبه الذي لم يخرج من ثدي أمه؟! ولم أعرف حتى اللحظة، سألته عن فاطمة، نظر إلي وجهي مستنكرا، وفر.

وأنا رأيت ذات الجنون يخط أول لعناته على وجهه!