نساء معلقات بالمحاكم بحكم الأزواج والقانون

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الرسالة-رشا فرحات

الجوجو: هناك نقص في عدد القضاة في المحاكم على أبواب قاعات المحكمة تصطف العشرات من النساء المعلقات في انتظار البت في قضاياهن العالقة منذ أشهر وسنوات بسبب قصور القانون وطول الجلسات.

على غير العادة بدت (زهرة- اسم مستعار) فرحة لأنها ستحصل على شهادة طلاقها بعد ثلاثة أيام، وتجاوبت في حديثها مع الرسالة شارحة مأساتها: "رفعت قضية طلاق منذ عام ونصف بالضبط، بسبب تجارة زوجي في المخدرات وإدمانه عليها، ورغم أني تنازلت عن كل حقوقي للحصول على الطلاق بأسرع وقت إلا أن القضية أخذت سنة ونصف في المحاكم !

وتلفت (زهرة ) إلى أن هناك حركة بطيئة للقضية في المحكمة، منوهة إلى أن القاضي كان جار زوجها ويعرفه تماما، وتعتقد أن هذا الأمر كان لصالحها في أخذ حكم الطلاق، بعد عام ونصف، لأنها تعتقد أن الأمر كان سيطول أكثر وسيغرمها مزيدا من التنازلات.

قضية زهرة ليست الأولى، فهناك الكثير من القضايا في أدراج المركز لنساء معلقات منذ سنوات بسبب ضعف القانون وضعف المحامي الذي تختاره المرأة للدفاع عن قضيتها.

عيوب في القانون

حينما ذهبت معدة التحقيق إلى مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة قابلت الفتاة

(أنعام- اسم مستعار) التي تعتبر نفسها معلقة منذ ثلاث سنوات حينما هجرت منزلها وهي حامل بالشهر الأول، وقضت سنتين ونصف في بيت أهلها حتى كبر ابنها دون سؤال من زوجها أو عائلته، ولم تكن ترغب بالذهاب إلى المحاكم حفاظا على سمعة والد ابنها الذي كان يسرق.

وقالت إن المحكمة لم تأخذ بعين الاعتبار سنوات هجرانه لأنعام، بل اعتبرت بداية القضية هو تاريخ تقديم أنعام للشكوى ضد زوجها ومن هنا بدأت معاناتها للحصول على حقوقها وقد تستغرق القضية سنة ونصف على أقل تقدير حسب توقعها.

وفي ذات السياق تقول المحامية زينب الغنيمي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة إن القضايا تختلف وكل قضية تحتاج إلى معرفة أدق التفاصيل للبت فيها، ويفرض القانون شروطا على المرأة لرفع قضايا التفريق، وفق الغنيمي، حسب الضرر الواقع عليها، وأولها الشقاق والنزاع ويعني أنها تعرضت للضرب ويجب أن يتوفر معها أدلة وتقرير طبي يثبت ذلك، أو أنها تنازعت مع زوجها نزاع تسبب بضرر بدني لها.

 

الغنيمي: نطالب بإقرار قانون الخلع

 

 

والشرط الثاني الذي يعتبره القانون مبررا لطلب التفريق هو أن يكون الزوج مسجونا لأكثر من ثلاث سنوات، وهذا يعني أن أقل من ثلاث سنوات لا يعطيها حق طلب التفريق.

والسبب الثالث أن يكون مفقودا ولكن لا تعطى لها الفرصة سوى بعد أربع سنوات لتقديم طلب التفريق لأنه سيعامل بعد أربع سنوات معاملة الميت وفقا للقانون.

أصل القاعدة القانونية حسب الغنيمي أن الرجل هو من يملك حق إنهاء الزواج وليس بإرادة المرأة، مضيفة: هذا ما يجعلنا نطالب بالموافقة على إقرار قانون المخالعة القضائية وهو لا يعني حرية المرأة في التفريق ولكن يعطيها بعض المساحة لحالات شبيهة بحالات الفقدان، وحتى لا تظل المرأة معلقة في بعض الحالات.

وهناك سبب آخر للتفريق وفقا للغنيمي وهو " العنة" أي عدم مقدرة الرجل على المجامعة الجنسية وهو ما يجب أن تثبته المرأة بتقارير طبية، ويجب على القانون من وجهة نظر الغنيمي أن يقوم بعمل "كمسيون" طبي بشكل عاجل ثم يتم التفريق فورا بعد التقرير الطبي.

وتستدرك: ولكن القانون يعطي الرجل فرصة سنة كاملة قبل أن تقدم الزوجة طلب التفريق، وتفسر الغنيمي ذلك الإجراء بأنه فرصة تعطيها المحكمة للرجل لعل صحته تتحسن ويكون أقدر على المعاشرة.

وتقول: وهنا تظل المرأة معلقة أيضا لمدة سنة مع رجل عاجز، لا يحق لها المطالبة بالتفريق إلا بعد سنة، وهذا أيضا مشكلة في القانون.

وتوضح الغنيمي سببا آخر يعطي المرأة الحق في طلب التفريق وهو عدم إنفاق الرجل على المرأة، وهذه القضايا تنتهي على باب المحكمة، فمثلا إذا دفع الرجل لمدة ثلاثة شهور يثبت انفاقه، ولكن إذا امتنع بعد ذلك فإن المرأة مضطرة لأن تقدم قضية نفقة جديدة، ولكن تم التغلب على ذلك بمراقبة القضية من البداية وربط الملفات ببعضها البعض.

وترى الغنيمي بأن القانون ينظر إلى المرأة على أنها تابع، ولا يعطيها حق التقديم على التفريق إلا بعد سنة، لأنه يعطي الفرصة للرجل حتى يثبت حسن نيته، أو يقدم أسبابه وترى الغنيمي أن الهجر يجب أن يعطي المرأة حريتها بعد أربعة شهور وليس بعد أربع سنوات.

وتطالب الغنيمي بتغيير القانون لوجود الكثير من البنود غير المنصفة للمرأة.

مماطلة المحاكم

وعن مماطلة المحاكم فإن الغنيمي لا ترى أن هناك مماطلة ولكن هي طبيعة القائمين على العمل في المحاكم، ومدى جديتهم في العمل، وتقول إن المعلقات لا يعرفن بأن القانون لا يعتبرها معلقة إلا من تاريخ رفع القضية على الزوج.

وتطالب الغنيمي النساء باختيار محام جيد ودقيق حتى لا يعطي فرصة للخصم لتأجيل القضية لوقت أطول فقط لأن المحامي لديه خبرة، ويجب أن نعرف أن المحاكم تتعامل مع الشكليات وهي التي تزيد من فترة تعليق بعض النساء.

وتذكر الغنيمي قضية استغرقت ثماني سنوات في المحاكم لفتاة طلبت الطلاق يوم خطبتها لأن خطيبها سجن في قضية مخدرات، ولأن الفتاة وعائلتها ليس لديهم خبرة في اختيار المحامي بقي الخصم يماطل في المحاكم بفضل خبرة المحامي الذي يعرف تماما الثغرات القانونية ويستغلها جيدا.

الكثير من المؤسسات طالبت بتغيير إجراءات المحاكم الشرعية وكان آخرها حملة العمر مش بعزقة التي أطلقها مركز صحة المرأة التابع لجمعية الثقافة والفكر الحر في خان يونس بخصوص النساء المعلقات والمطالبات بالطلاق منذ سنوات وما زالت قضاياهن في المحاكم.

وأكدت منسقة المشروع سماح الهبيل على أهمية حملات الضغط والمناصرة لتقليص المدد القانونية في دعاوي التفريق، نظرا لان مشكلة النساء المعلقات من أكثر الموضوعات الشائكة وذات الحساسية في المحاكم الشرعية.

 وطالب عدد من المراكز الحقوقية ومراكز قضايا المرأة بالنظر في قضايا النساء في المحاكم وخاصة قضايا التفريق.

طريقة التطبيق

وترى حنان مطر المحامية الشرعية في المركز الفلسطيني لحقوق الانسان أن قضايا المعلقات ليست ظاهرة وإنما هي حالات لأن الطلاق ليس بيد المرأة، وإنما التفريق يكون بواسطة القضاء بعد أن ترفع المرأة دعوى لدى المحكمة الشرعية، وإذا توافرت الشروط تحكم المحكمة بالفراق بين المرأة وزوجها، وفي كثير من الحالات يكون هناك طلاق رجعي يستطيع الزوج أن يرد الدعوة خلال ثلاثة أشهر وخاصة في قضايا النفقة.

ولا نستطيع القول حسب مطر أن النساء معلقات فإذا أخذت حكم نفقة تسقط دعوى الفراق، ويجب أن تعود إلى بيت الزوجية إلا إذا رفضت ونشزت وبالتالي ستصبح معلقة.

 

مطر: المشكلة في إجراءات المحاكم

 

 

ولا تأخذ القضايا فترات طويلة، ولكن وحسب مطر فإن قضايا النزاع والشقاق فقط هي التي تأخذ فترة أطول لأنها قائمة على توفر الأدلة اللازمة وتحري الحقائق وإذا رفضت الدعوى لا يحق للمرأة رفع أخرى إلا بعد ستة شهور أخرى، ومن هنا تأخذ القضايا وقتا في المحاكم وبالتالي تعلق المرأة.

وتوافق مطر على وجوب تغيير بعض البنود في القانون وعلى رأسها طريقة التعامل مع قضايا الشقاق والنزاع، فهي تأخذ من وقت المرأة، والتفريق في قضايا الإنفاق فيه جور على المرأة ووقف لحالها، بالإضافة إلى أن القانون لا يعطي المرأة المتزوجة من رجل عقيم حق طلب التفريق، فهناك كثير من البنود في القانون يجب أن تتغير.

بالإضافة إلى أن هناك سببا مهما يطيل أمد التقاضي في المحاكم وهو ازدحام المحاكم بالقضايا وقلة القضاة، وقد تؤجل الدعوى إداريا لأن القاضي أمامه عشرون أو ثلاثون ملفا، ولكل قضية شهودها ووقتها، ويستنفذ الوقت الكامل في أربع أو خمس قضايا.

وأضاف: يضطر القاضي لتأجيل القضايا الأخرى إلى وقت لاحق، بالإضافة إلى مماطلة من الخصم بحجج مختلفة وفي كل تأجيل تأخذ المرأة فترة انتظار عشرين يوما إضافية، وبالتالي كل تأخير تدفع المرأة ثمنه من وقتها.

وتوافق مطر على أن المرأة تحتاج إلى قانون خلع لأن بعض الحالات لا ينصفها القانون.

قانون خلع

وأقر مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني في عام 2012  مبدأ الخلع والطلاق قبل الدخول والخلوة الشرعية لمئات النساء مع خطبائهن، الأمر الذي أعطى بعض الأمل للنساء وفتح الطريق أمام إنصافهن وفقا للتطبيقات التشريعية.

وبالعودة إلى مركز الإرشاد القانوني للمرأة فقد تواصلنا مع المحامية الشرعية غادة الصوص المتخصصة بقضايا النساء في المحاكم الشرعية والتي اعتبرت قانون الخلع الذي لم يقر حتى اللحظة يحوي مشاكل جديدة لأنه يعطي حق الخلع للفتاة المتزوجة والتي لم يدخل بها وبشرط أن تتنازل عن كل حقوقها المالية، بصرف النظر عن الضرر الذي وقع بها جراء الخطبة.

 

الصوص: لا يوجد تحكيم حتى الآن أنصف المرأة

 

 

واستشهدت الصوص بقصة فتاة اكتشفت أن زوجها في يوم الخطبة يتاجر بالمخدرات وبالتالي تنازلت له عن كل حقوقها لكي تخلعه ولكنه لم يطلقها بعد خروجه من السجن لأنه لم يصل سجنه لثلاث سنوات، وهذا يعطيه الحق في عدم تطليقها، وفقا للقانون، موضحة أن قانون الخلع لم يخدمها رغم مطالبتنا بتطبيقه في تلك الحالة على وجه التحديد.

وتقول الصوص: حتى أسباب التفريق غير منصفة للمرأة، فلو كان الرجل يهجر زوجته لكن جهز لها بيتا شرعيا فهي مجبرة للرجوع الى البيت.

ولقد طالبت المؤسسات النسوية بتطبيق قانون الخلع أو تعديل القوانين الموجودة حاليا والتي ترى أنها غير منصفة للنساء.

ولفتت الصوص إلى خطوة مهمة في طريق قضايا النساء في المحاكم وهي خطوة التحكيم التي تحمل على عاتقها النظر في القضية والتي لم تنصف المرأة في أي قضية عرضت عليها، وكما تقول الصوص "لم أر امرأة أخذت حقها كاملا في التحكيم، الذي يكون دائما متحيزا للرجل".

وتعاني المحاكم من عجز في أعداد القضاة كما يقول حسن الجوجو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي. ويرى الجوجو أن قضايا النساء المعلقات في المحاكم ليست ظاهرة وإنما هي بعض القضايا التي لم تستطع أثباتها أو كان لديها نقص في المستندات الرسمية والتي اضطرت بعدها المحكمة للتأجيل وبالتالي تأخر الحكم في القضية على حد قوله.

ويقول: في الوضع الطبيعي، يوجد قاضي توثيقات، وقاضي زواج، وقاضي مواريث، وقاضي دعاوى زوجية، وقاضي تنفيذ ولكل تخصصه حسب المحكمة ومكانها، ولكن للأسف في كل محكمة في القطاع لا يوجد أكثر من قاضيين ولا يمكنهما أن يشرفا على كل القضايا الموجودة في الحاكم، ويجعل القاضي أمام كم كبير من القضايا ما يؤثر على سير عمله.